الحمدانيون في النجف الأشرف

محمد سعيد الطريحي رئيس اكاديمية الكوفة

اقضيتها ونواحيها مع تعريف بعشيرة الزابيَّة

لا أحد ينكر ما للأنساب من علاقة قوية بالعلوم التاريخية والاجتماعية ،كما انه سبب التعارف والتآلف، وطريق التواصل والتعاطف، والمعايشة السلمية بين الجماعات والأقوام بين مختلف الانحدارات القومية والأعراق البشرية؛ ولهذا المعنى أشار الخالق سبحانه بقوله «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» وعلى ذلك نصَّ رسول الرحمة محمد بن عبدالله «ص» في حديثه الشريف المتواتر «تعلَّموا الأنساب كي تصِلوا أرحامكم»، ولهذا حظيت الأنساب لدى الأمم بالأهمية البالغة ،وكان اهتمام العرب بها أكثر من غيرهم من الشعوب ولهذا عني كتّابهم بها عناية بالغة فأنتجوا الآلاف من الكتب والرسائل والمدونات النسبية.
وان نصيب العراق من تلك الكتب والمؤلفات كان كبيراً بل ان الذي فتح أبواب الباب في الأنساب هو عالم ومؤرخ عراقي رائد أعني ابن السائب الكلبي المتوفى سنة 204 هجرية. إذْ صنَّف فيه خمسة كتب: «المنزلة» و «الجمهرة» و «الوجيز» و «الفريد» و «الملوك» ثم جاء بعده فريق من المؤرخين والباحثين والذين ألَّفوا في هذا الفن.
وعلى هذا دأب المئات إن لم نقل الآلاف من المؤلفين والنسَّابين على تدوين أنساب القبائل والعشائر والأُسرات العربية المنتشرة في بقاع المعمورة، وما يزال مَن يكتب ويترجم ويحقق ويصحح ويضيف ويتابع ما استجد من المعلومات والوثائق والأخبار المتعلقة بهذا الفن.
وفي إقليم الفرات الأوسط في العراق، حيث تتواجد الارومات العربية ذات الأصول القديمة في الهجرة، ظهرت الكثير من الكتب المختصة بتاريخها وأحوالها، ومنها هذا الكتاب القيّم الذي يؤرخ لقبيلة بني حمدان وتفرعاتها ويخصص جانباً كبيراً منها لتاريخ إحدى احدى أُسرها العلمية النجفية وهي أُسرة آل حَجِّي الحمدانية، والتي ظهر منهم عدد من الأعلام الأفاضل الذين خدموا الدين الحنيف، كما نبغ منهم العلماء والادباء الذين ساهموا في الحركة العلمية والأدبية التي تميَّزت بها هذه المدينة المقدسة، ولم ينسوا اصولهم العربية الممتدة عبر التاريخ فكانت بيوتهم دواوين نشطة بالعمل الاجتماعي العام لأبناء قبيلتهم الأُم المعروفة باسم ((الزابيَّة))، وقد وُفِقَ لإنجاز هذا العمل المبارك، أحد ألمع رجالات الأُسرة اليوم علماً وأدباً وأخلاقاً أعني الأخ الحبيب العلّامة الدكتور علي حَجِّي الذي حاز على الفضيلتين بجمعه بين العلوم الأكاديمية والحوزوية بالإضافة الى ما يتمتع به من مواهب وسمات فريدة تتجلى في حرصه الدائم على إبراز الجانب العلمي والأدبي والتاريخي الذي تتميز بها مدينته الأثيرة ومهبط آباءه وأجداده ((النجف الأشرف))، ودأبه في الاجتهاد وتطوير تخصصه العلمي الجامعي في التدريس وتنمية قدرات طلابه وغزارة نتاجه الفكري الذي طُبع منه ما يزيد على الثلاثين كتاباً بين تأليف وتحقيق مع عدد كبير من المقالات والبحوث.
وقد أطلَّ علينا اليوم بكتاب جديد يحمل عنوان ((الحمدانيون في النجف الأشرف واقضيتها ونواحيها مع تعريف بعشيرة الزابيَّة)). “عرفت بهذا اللقب نسبة الى للزاب الصغير الذي يُدعى أيضاً بـ(زاب ألبو حمدان)”.
وكانت فكرة الكتاب قد انقدحت في ذهنه منذ سنوات الدراسة الجامعية، وكان يحدثني عن زياراته الميدانية لعدد من أفخاذ القبيلة، وقد صحبته غير مرة في زياراته الأخيرة في مناسبات اجتماعية، كما لبينا دعوة الشيخ سعد خضير عباس آل شويرد الحمداني أمير بني حمدان وقضينا ساعات جميلة في مضيفه باليوسفية كان ذلك بعد اللقاء الأول الذي جمعنا في بيت الدكتور علي خضير حَجِّي (في النجف الأشرف)، والوجيه الشيخ سعد شويرد هو اليوم (الشيخ العام لقبيلة بني حمدان في العراق وخارجه)، وقد خلف والده المرحوم الشيخ خضير شويرد الحمداني، ووالده الشيخ خضير كان قد استلم المشيخة العامة بعد وفاة جده عام 1946م، وكان معروفاً بأصالته ونجابته وغيرته الوطنية وميله للصلح والسلم الاجتماعي، ومن أهم مواقفه، قيامه بالتوسط للصلح بين بين الحكومة العراقية والكرد سنة 1966-1967م مع عدد من أعيان العراق، حيث استضاف الجميع في مضيفه بحضور رجال الدولة وعلى رأسهم: رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز، ووزير الداخلية رشيد مصلح مع متصرّفي ألوية (محافظات) بغداد والموصل وأربيل والسليمانية، ومن الجانب الكردي أبناء الملا مصطفى البارزاني ادريس ومسعود، واتفق الطرفان على التفاهم وتوقيع وثيقة لإنهاء النزاع. وللمغفور له الشيخ خضير من الأبناء: الشيخ سعد، الدكتور الشيخ مزهر، والشيخ حسين والنائب الأستاذ حسن.
ومن الثابت أنَّ الحمدانيين ينحدرون من قبيلة تغلب بن وائل بن ربيعة العربية، التي نزلت نجداً والحجاز وأطراف تهامة – ومن المعلوم أن الأمير الشاعر سيف الدولة الذي كان أشهر أمراء هذه الأسرة وهو علي بن عبد الله بن حمدان يلتقي نسب الحمدانيين بنسب رسول الله بجدهما نزار.
ومن يقرأ شعر أبي فراس الحارث بن سعيد الحمداني، يجد التغنِّي بأمجاد تغلب ومكانتها في الجاهلية والإسلام، في أكثر من موضع في ديوانه منها قوله:
تبوأت من فرعَيْ معدٍّ كليهما مكاناً أراني كيف تبنى المفاخرُ
ويجمعنا في وائل عشرية وودٌّ وأرحامٌ هناك شواجرُ
لنا أول في المكرمات وآخرٌ وباطن مجـد تـغـلبي وظاهر
كما يظهر اعتزاز أُمراء الحمدانيين بنسبهم التغلبي في تسمية بعض أعلامهم باسم تغلب، إذ نجد اثنين من أفراد هذه الأسرة يسمِّيان بتغلب هما أبو وائل تغلب بن داوود بن حمدان، وأبو تغلب ابن ناصر الدولة.
وقد بقيت طباع الحمدانيين القبلية البدوية ملازمة لهم دائماً حتى في أوج مجدهم من شجاعة وفروسية، وكرم، ومروءة، وحب للثأر وعصبية، وثقة بالنفس وهو ما يعبّر عنه أبي فراس بقوله:
أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلى وأكرم من فوق التراب ولا فخر
وقوله:
شيمٌ عُرِفْتُ بِهِنَّ مِنْ أنا يافع ولقد عَرَفْتُ بمثلها أسلافي
وقد تفرَّعت الأسرة الحمدانية من حمدان بن حمدون هذا الذي أنجب ثمانية أولاد هم أبو اسحاق ابراهيم و (أبو علي الحسين وأبو السرايا نصر وأبو الهيجاء) عبد الله و(أبو العلاء) سعيد وأبو سلیمان داوود. وكان أشهر هؤلاء الأولاد أبو الهيجاء الذي أنجب ولدين هما الحسن الذي لقب فيما بعد بناصر الدولة، وهو على رأس فرع الحمدانيين في الموصل، وعلي الذي لقب بسيف الدولة وهو رأس الفرع الحمداني في حلب غير أن هناك ولداً سابعاً لأبي العباس حمدان هو أبو الوليد سليمان وولد ثامن هو علي ورد ذكره في شعر أبي فراس، ومن بين هؤلاء الأولاد الثمانية لحمدان بن حمدون يبرز الحسين وعبد الله بالدرجة الأولى، ومن نسل عبد الله بالذات انحدر الحسن (ناصر الدولة) وعلي (سيف الدولة)، وهما اللذان قدر لهما أن يشيدا الدولة الحمدانية. أما الأخوة الستة الآخرون فقد قاموا بأدوار ثانوية فرعية في تاريخ تلك الفترة.
أسرع الضعف إلى الدولة الحمدانية في الموصل بعد وفاة ناصر الدولة وانشق أولاده على أنفسهم وصاروا شيعاً وأحزاباً، وطرد بنو بويه أبا تغلب الغضنفر من الموصل ٣٦٧هـ ، ولم يكن استردادها على أيدي أخويه أبي طاهر ابراهيم وأبي عبد الله الحسين إلا انتعاشاً قصير المدى. وبعد وفاة ناصر الدولة استمر النزاع بين أولاده وانقسموا إلى فريقين فريق يناصر حمدان بن ناصر الدولة وفريق آخر يناصر أخاه أبا تغلب ولكن الهزائم تتابعت على حمدان، فلجأ إلى بختيار بن معز الدولة في بغداد، فأكرم وفادته، وتوسط في الصلح بينه وبين أخيه وأرسل النقيب أبا أحمد الموسوي نقيب الأشراف ووالد الشريف الرضي سفيراً في الصلح بين ولدي ناصر الدولة.
وتمَّ الصلح بين الأخوين لفترة وجيزة ثم تجدد في عنف وشدة، حتى أن حمدان قتل أخاه أبا البركات ٣٥٩هـ. وعاد حمدان إلى الرحبة – على شاطئ الفرات بين الرقة وبغداد – وكان أخوه أبو تغلب قد استولى عليها منه وأناب عليها أخاه أبا البركات ٣٥٨ – ٣٥٩هـ واشتد الصراع بين أبي تغلب وحمدان، وحلَّت بعده نزاعات أُخرى أشد على السلطة تشتت على وقعها نفوذ الحمدانيين وحلت به فاجعة اندثار الدولة وانقراضها، بعد ان استولى عضد الدولة البويهي على الموصل وديار ربيعة وميافارقين وآمد، وديار مضر من يد أبي تغلب الحمداني بين سنتي ٣٦٧- ٣٦٨ هـ ، بالرغم من أن الحمدانيين كانوا قد استعادوا الموصل وما يليها في سنة ٣٧٩هـ على يدِ أبي طاهر ابراهيم بن ناصر الدولة، وأخيه أبي عبد الله الحسين لكنهم لم يبقوا فيها أكثر من سنة وبذلك انتهت دولة بني حمدان، وبسقوطها تفرقت جميع الفروع العشائرية التابعة لها ومنها أبناء الاسرة الحاكمة ومن كان معهم من الاسر والحمولات الحمدانية، وتفرقوا في البلاد داخل العراق وخارجه.
وهنا لابد من الإشارة الى خدمات الحمدانيين في الاهتمام بتعمير قبر أمير المؤمنين فعمارتهم للمرقد العلوي الشريف وتشييدهم للقبة، سبقت عمارة البويهيين، وهو ما استعرضه تفصيلاً الدكتور علي حَجِّي، وهم اول من فرش الحرم المطهر بأفخر أنواع الستور وأنفس البرد والنفائس من الهدايا، وكانت الحصر السامانية تغطي جوانب الحضرة العلوية. وكانت فيها مدافن امرائهم وأعيانهم، حيث كان آل ينقلون موتاهم من الشام وحلب وديار بكر والموصل، وفارس، وعراق العجم الى النجف، ويحملون مع الجنائز الواردة الى المشهد الشريف هداياهم المعتبرة الى قبر علي عليه السلام من قناديل الذهب الخالص والفضة والسيوف المحلّاة بالعسجد والتحف النفيسة من ملوكهم الرجال والنساء، بالإضافة الى الأموال العينية التي يغدقونها على خدم المرقد والمجاورين والزوار الفقراء عنده.
ومن الناحية العلمية ساهم علماء بني حمدان في رفد الحركة العلمية في النجف وغيرها من البقاع حيث اشتهر عدد من فقهائهم الذين تُرْجِم لهم في الكتاب، وفي الجانب الاجتماعي التاريخي التسجيلي للعشائر المتفرعة من بني حمدان والذين تفرقوا فيما بعد في شتى البلدان فليس من السهل استقصاء تاريخ جميع الفروع في العراق علاوة صعوبة على تتبع وجود الحمداني لأُسرهم وحمولاتهم المنتشرة في البلدان الإسلامية، ولهذا اقتصر عمل المؤلف في كتابه هذا بتتبع تاريخ الحمدانيين في النجف الأشرف وأقضيتها ونواحيها خاصة وأفرد بحثاً عن اسرته الحمدانية النجفية (آل حَجِّي) وأصلها المتصل بعشيرة الزابيَّة المشهور انتمائها الى بني حمدان.
صحيح أن بعض الباحثين نسبوا ((الزابيَّة)) الى قبيلة طي أو بني طرف أو آل فتلة أو الغرير وربما الى عشائر عربية أخرى، فهذا محض اشتباه اذ أن بعض المدونين المتأخرين خلطوا في أصول العشائر التي يؤرخون لها عملاً بالأمر الواقع الذي عاصروه أو نقلوه على عواهنه عن أفواه الناس غير المختصين من غير التدقيق الى ما هو واقع في طبيعة توزُّع العشائر والتغيُّر المستمر في الأراضي التي يسكنونها سواء في البادية أو الريف تبعاً لوجود الماء والأرض الصالحة للرعي والزراعة، أو بفعل الحروب والنزاعات، وحين ينتقلون يركنون – بطبيعة الحال – للزعيم القوي الذي يأمنون عنده وعند قبيلته الأمن والحياة الكريمة وبمرور الوقت ينتسب الأحفاد الى اسم القبيلة وينضوون تحت رايها ويخضعون لنظامها مع مَن يساكنونه جيرة وحِلفاً وعوائد مشتركة.
وقد لاحظ ابن خلدون هذا الموضوع منذ قرون وأدلى برأي مصيب كل الإصابة في هذا الشأن فقال: (إن بعضاً من الأنساب يسقط إلى أهل نسب آخر بقرابة إليهم أو حلف أو ولاء أو لفرار من قومه بجناية أصابها فيدَّعي نسب هؤلاء، فولي القوم منهم وسواء كان مولى رِق أو اصطناع وحلف، والولاء نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للإلفة التي تلحق النفس من اختصام جارها أو قريبها أو نسيبها.. ثم الصريح في النسب لا يكون إلا للمتوحشين، أما الموجودون في مناطق الخصب فاختلطت أنسابهم)..
ومن يُمعن النظر في النظام العشائري الذي كان سائداً في العراق خلال القرون الخمسة الماضية يجد أن عشائر العراق تنقسم الى رايات ومناطق نفوذ كراية خزاعة وراية ربيعة وراية بني لام (طي) وراية زبيد وراية المنتفق وغيرها من التجمعات العشائرية ومن ينضوي تحتها ليسوا بنسل أب واحد وانما هي تجمعات عشائرية كل واحدة من عشائرها ترجع في نسبها الى أصل خاص بها، وتنقاد الى شخص واحد يقال له شيخ العشيرة، وتنقاد الى شخص واحد يقال له شيخ المشايخ أو شيخ العموم . وحتى شيخ شيوخ القبيلة أو العشيرة ليس ضرورياً أن يعود في اصوله النسبية الى القبيلة أو العشيرة التي يتزعَّمها لكن صفاته الشخصية وحمولته القوية وسماته الحربية المنتزعة من مواقفه الصارمة خلال الغزوات والنزاعات القبلية هي التي أعطته المقبولية لهذه الزعامة.
والى هذا الأمر يُعزى الاختلاف في أنساب القبائل وانحداراتها الأصلية، وهو ما ينطبق على (الزابيَّة) والعشائر الأخرى، لكن الأصول الأولى تبقى ثابتة مشخصة من قِبل الواعين في القبيلة وعوارف العشائر وفي المدونات والوثائق المتخصصة بشؤون العشائر ومنها على سبيل المثال (الأرشيفات التي تحتفظ بها دور المحفوظات القومية)، للدول المجاورة للعراق أو المحتلة له عبر التاريخ الحديث كما هو الحال مع دور الوثائق البريطانية، والعثمانية والإيرانية.
وعلى العموم فإنَّ عشيرة ((الزابيَّة)) التي ينتسب اليها ((آل حَجِّي)) اتخذت من أراضيها الواسعة التي تملكتها منذ قرون بين كربلاء وطويريج مقراً لها وكانت سعيدة بهذا الموقع الفريد في ذلك الوقت مع توفر الماء والأرض البِكر الخصبة، فأحسنت في استغلالها والاستفادة منها وعاش أفرادها عيشة مُترفة بوجود عقول مفكرة من شيوخها وبقيت في ديارها المذكورة الى ما قبل قرن ونصف من الآن قُبيل أن تحلَّ بمضاربهم كارثة حلَّت بهم من حاسديهم فانقلبت النعمة الى ما أفضى الى تحوّل الحال فتفرقت تلك العشيرة الغنية المستقرة الى أمكنة أُخرى من قرى الفرات، ومجمل تلك الحادثة التي غيَّرت أحوالهم كما رواها المرحوم الشيخ عبادي آل حسين شيخ آل فتلة في المهناوية للأستاذ جعفر الخليلي كما يلي: (( اتفق أن عليوي ابن العمصة وهو من وجهاء آل فتلة قد زار كربلاء وعاد من الزيارة على طريق طويريج فمرَّ بعشيرة الزابيَّة وكانت تسكن حينئذ المقاطعة التي يسكنها آل فتلة في الهندية اليوم، لقد مرَّ ابن العمصة على الزابيَّة وهو يريد أن يقضي فيها سواد ليلته كما يفعل المارُّون والضيوف، ولم يكن ابن العمصة هذا قد عرف شيئاً عن حياة هذه القبيلة التي نزل عليها ضيفاً، ولم يكن يعرف عن شؤون المقاطعة ما يحمله على المرور بها ولكنها الصدفة أو المرحلة التي يقف عندها المسافرون من الطريق هي التي أوقفته هناك.
دخل عليوي ابن العمصة المضيف فإذا به يرى جميع المظاهر تدلُّ على نعمة لم يكن له بها عهد، فهذه المواشي العائدة من المرعى تكاد جلودها تنفطر من شدة السمانة، ويكاد الحليب يتدفق من ثدايا البقر لغزارته، وهذه الخيول تجوب الزروع وتأكل ما تشاء بدون معارض، وهؤلاء الفلاحون لا يسمع منهم ما اعتاد أن يسمع من سائر الفلاحين من حكايات تتعلق بالمزارع وأحاديث تتناول مواسم الحبوب وما كان له شأن بالمقاطعة من الإسقاء، والحرث، والدوس، وأصغى كثيراً إلى الجالسين فإذا الحديث كله حديث الترف وإذا الحكايات جميعها لا تتناول غير الزينة، فهذا يروي أن لدى فلان قميصاً غاية في النعومة والرقة وإن فلاناً قد عمل له كلة من الحرير الخالص إلى غير هذا من القصص التي أوقفت ابن العمصة موقفاً فيه كثير من التأمل والتفكير والاستغراب.
لم يكن ابن العمصة قد رأى ــ على كثرة ما رأى من وسائل الترف في قبيلته ــ رؤوس أعمدة القوارب والمجاديف قد صيغت من الفضة إلا عند ابن حمادي رئيس الزابيَّة هذا الذي قد اتكأ في المضيف وراء مخدة من الحرير الخالص، وقد افترش أجود السجاد العربي فإذا تكلم صار الجالسون كلهم آذاناً، وإذا سكت سكتت كل حركة حتى حركة التنفس!!
حوَّل ابن العمصة تفكيره إلى نفسه بعد أن كلَّت عيناه من التأمل في المضيف وفي الوجوه، وفي الأثاث وفي كل شيء بعيد أو قريب، وبدأ يحسّن لنفسه البقاء في هذه المقاطعة، ولكن كيف يمكن أن يتخلى عن قومه وعشيرته؟ وكيف ترضى له نفسه أن يبتعد عن قبيلته ويندس بين قبيلة أجنبية لا تلبث أن تتغلب عاداتها على عاداته فينقرض عقبه، و يندثر اسمه؟؟
كل هذا قد فكَّر به ابن العمصة وأشبعه تفكيراً ولكن الضرورة قد أرغمته على سحق كل هذه التقاليد وحببت إليه السكن في هذه البقعة ومكنته طبيعته الفتلية من التقرُّب إلى شيخ المقاطعة وإذا به يحتل من نفسه المقام الأسمى، وإذا بابن حمادي يضع بين يديه التصرف بأمور المزارع ويكل إليه كل ما يعود للمقاطعة من عمل وتدبير، ثم هو بعد ذلك يصغي إليه ويقبل منه المشورة ويجد في ابن العمصة الشخص المدبر المخلص الذي كان يفتقر إليه الرئيس وينشده منه مدة.
ويشتد نفوذ ابن العمصة في المقاطعة وتمتد يده في العمل لحدٍّ بعيد فيستدعي إليه من عشيرته والأقربين من آل فتلة من الفوَّار فينشرهم في الزابيَّة بيوتاً)). “موسوعة الموسم الهولندية، المجلد 220 “.
هذا مختصر أصل (الزابيَّة) الذين يقيمون اليوم في مدن وقرى العراق وخاصة في النجف والكوفة، والعباسية والشامية ومنطقة الحيدري والمشخاب والهندية وبغداد ومن تفرعاتهم المعروفة:(( اسرة ال حَجِّي، حمولة ال شدة، حمولة ال عوج، حمولة ال ثنوان، حمولة ال كدر، حمولة ال طهماز، حمولة ال جاري، حمولة ال كحط، حمولة ال طوش، حمولة ال عبود)).
وقد كانت تلك الحمولات العشائرية مدار بحث المؤلف الفاضل وقد ختمها بالفصل الأكبر من الكتاب المخصص للتاريخ وأعلام أُُسرته (آل حَجِّي) التي تنتسب الى فخذ الحمران الزابيَّة الحمدانية، وممن ورد ذكرهم في هذا الكتاب من أعلام آل حَجِّي:
الشيخ قاسم ابن الحاج محمد الزابي أصلاً ونسباً، النجفي مولداً ومنشأ ومسكناً كان عالما ومجتهدا توفي عام 1270هـ في خراسان اثناء تأدية الزيارة للإمام الرضا عليه السلام ، وجده المذكور الحاج محمد هو الذي اشتهر بلقب الحَجِّي. كما أول من هاجر وقطن النجف خلال القرن الثاني عشر الهجري، في محلة الحويش.
ومنهم: الشيخ صالح حَجِّي الكبير (ت 1275هـ)، و الشيخ مهدي حَجِّي (ت1298هـ)، والذي أعقب شاعرا كبيرا سمي جده ولقب بالشاعر صالح حَجِّي الصغير (ت1344هـ)، والخطيب الشيخ محمد علي حَجِّي، والشيخ راضي بن الشيخ صالح كان من العلماء والادباء أعقب الخطيب الشيخ محمد جواد حَجِّي (ت1333)، والشيخ محمد حَجِّي الذي مات في وباء الطاعون 1247هـ. الشيخ موسى حَجِّي (ت1216هـ)، وقد أنجب ثلاثة أولاد ” الشيخ علي (ت 1325هـ) والشيخ حسن ( ت1368هـ) . والشيخ عبد (ت1381هـ)..” والى هؤلاء المشايخ يرجع نسب الذرية الطيبة الباقية اليوم في النجف . ومن عقب الشيخ علي بن الشيخ جاسم حَجِّي (ت 1436هـ)، المربّي الفاضل الاستاذ خضير حَجِّي (1931-2015م) والد المؤلف الدكتور علي خضير حَجِّي.
وقد سبق أن أثنى على أصالة هذه السلالة الصالحة ودورها الثقافي، مؤرخ النجف الشيخ جعفر محبوبة ( ت 1377هـ) بقوله: (( آل حَجِّي: عرب أقحاح يمثلون الأخلاق العربية الفاضلة والصفات الحميدة من السخاء والوفاء وخفة الطبع ولين الجانب، نبغ منهم شعراء وأدباء يتفاوت شعرهم روعة ومتانة ، كانت دارهم ندوة أدبية يجتمع فيها كل يوم جماعة من الأدباء يتناشدون الأشعار ويتبارون في النظم)) “ماضي النجف وحاضرها : 2/ 139”. وأُلحقَ بالكتاب ديوان الشيخ صالح حَجِّي الزابي الحمداني المعروف بالكبير (ت 1275هـ)، وديوان الشيخ صالح حَجِّي المعروف بـ(الصغير) (ت 1344)، وهما من تحقيق الأستاذ الدكتور علي حَجِّي. وختاماً نبارك للمؤلف الفاضل على عطاءاته وانجازاته العلمية المستمرة، وفقه الله الى مزيد من النتاج الفكري البنّاء.

قد يعجبك ايضا