نبيل عبد الأمير الربيعي
لا تُقرأ لوحات عبد الملك عاشور بالعين وحدها، وإنما تُقرأ بالذاكرة أيضاً. فمنذ اللحظة الأولى يشعر المتلقي أنه لا يقف أمام سطوح لونية، بل أمام طبقات من الزمن، تتجاور فيها المدينة والإنسان، والطفولة والغياب، والحلم والانكسار. وما إن تنتقل العين بين أعماله حتى تدرك أن اللون عنده لم يعد مادة للرسم، بل أصبح لغة تستعيد ما عجزت الكلمات عن قوله.
ثمة فنانون يرسمون اللوحة، وثمة آخرون يرسمون أعمارهم داخلها. وعبد الملك عاشور ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فكل لوحة تبدو صفحة من سيرته، وفي الوقت نفسه صفحة من سيرة البصرة والعراق. لذلك لا نتذكر الألوان وحدها بعد مشاهدة أعماله، بل نشعر أننا خرجنا من تجربة إنسانية كاملة امتزجت فيها الذاكرة بالمكان، والحياة بالفن، والذات بتاريخ المدينة.

وأنا أتأمل أعماله، بدا لي أن اللوحة لا تنجز سطحاً جمالياً منسجماً بقدر ما تتحول إلى حقل تتجاور فيه التناقضات؛ الصخب والصمت، الامتلاء والفراغ، الحضور والغياب. لذلك تبدو أعماله كائنات حية تحمل آثار الزمن، أكثر مما تبدو صوراً مكتملة تسعى إلى الإقناع البصري السريع. إنها لوحات لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تدفع المتلقي إلى البحث عن أسئلته الخاصة.
ينتمي عبد الملك عاشور، من حيث البناء الجمالي، إلى التجريد التعبيري المعاصر، لكنه لا يتعامل مع التجريد بوصفه قطيعة مع الإنسان، وإنما باعتباره وسيلة للوصول إلى جوهره. فالوجوه التي تلوح ثم تختفي، والأجساد التي تبدو مبتورة أو مؤجلة، ليست موضوعات تشكيلية بقدر ما هي إشارات إلى قلق وجودي عميق، وإلى إنسان يرزح تحت ثقل الذاكرة والتحولات.
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في تجربته اشتغاله على الطبقات اللونية. فاللوحة تُبنى عبر تراكمات كثيفة، كأن الفنان يكتب تاريخاً بصرياً ثم يعود ليمحو أجزاءً منه، تاركاً آثاراً لما كان. هنا تتحول التقنية إلى رؤية فلسفية؛ فالذاكرة ليست بناءً مستقراً، وإنما عملية مستمرة من الحذف والاستعادة، وكل طبقة تخفي ما قبلها بقدر ما تحفظه.
أما اللون فلا يأتي عنده صافياً أو بريئاً، بل يبدو لوناً مجروحاً، مشبعاً بأثر اليد والانفعال. تتجاور العتمة مع الومضات الضوئية في توتر دائم، وكأن اللوحة تسجل صراع الأزمنة داخل الذات الإنسانية. لذلك لا تمنح أعماله راحة بصرية مجانية، وإنما تضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع انفعالاتها وأسئلتها.
ورغم هذا النفس المعاصر، فإن أعمال عبد الملك عاشور مشبعة بروح المكان العراقي. فالموروث لا يحضر فيها على هيئة رموز مباشرة، بل كذاكرة كامنة في البنية نفسها. يمكن استشعار أثر الجداريات القديمة، والكتل الطينية، وإيقاع العمارة الجنوبية، وبقايا العلامات الشعبية التي ذابت داخل التكوين حتى غدت جزءاً من نسيجه الداخلي. وهكذا يغدو التراث طاقة جمالية متجددة، لا مادة للاستنساخ.
ولعل أكثر ما يميز هذه التجربة أنها ترفض التدجين البصري. فلا مكان فيها للزخرفة السهلة أو للمعنى المغلق. إن لوحات عبد الملك عاشور تقاوم القراءة السريعة، وتدعو المتلقي إلى المشاركة في إنتاج معناها، لأنها تؤمن بأن الحقيقة الفنية لا تُمنح، بل تُكتشف.
وحين أعود من اللوحات إلى الفنان، أجد أن هذا العالم التشكيلي لم يكن وليد المصادفة. فقد ولد عبد الملك عاشور في البصرة عام 1949، المدينة التي شكلت وجدانه البصري، ومنها انطلقت رحلته مع الفن. درس في معهد الفنون الجميلة، فنال الدبلوم عام 1973، ثم واصل دراسته حتى حصل على بكالوريوس الفنون التشكيلية عام 2005، مؤكداً أن الفنان الحقيقي يبقى تلميذاً للمعرفة مهما امتدت تجربته.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي انخرط في الحياة الثقافية العراقية، فكان عضواً في نقابة الفنانين العراقيين وجمعية التشكيليين العراقيين، وأسهم في تنشيط الحركة الفنية، وشارك في عشرات المعارض داخل العراق وخارجه، من البصرة وبغداد إلى عمّان وأوسلو والشارقة وألمانيا، كما اقتنت أعماله مؤسسات ومجموعات فنية في عدد من الدول العربية والأوروبية.
ونال خلال مسيرته العديد من الجوائز، كان أولها جائزة اليونسيف عام 1968، فضلاً عن حضوره اللافت في تصميم أغلفة الكتب الأدبية والفنية، حيث استطاع أن يمنح النصوص امتداداً بصرياً يوازي قيمتها الإبداعية.
كما أن انتماءه إلى جماعة «آبسو» لم يكن مجرد انتماء تنظيمي، بل انحيازاً إلى مشروع فني يسعى إلى تحديث الخطاب التشكيلي العراقي، مع الحفاظ على جذوره الثقافية. ولذلك جاءت أعماله متوازنة بين الحساسية اللونية والوعي البنائي، وبين الانفعال الشعري والانضباط الأكاديمي.
لقد أثبت عبد الملك عاشور، عبر أكثر من نصف قرن من الإبداع، أن الفنان الحقيقي لا تصنعه الضجة الإعلامية، وإنما تكرسه اللوحة الصادقة التي تقاوم الزمن. ولذلك بقي اسمه حاضراً في الذاكرة التشكيلية العراقية بوصفه واحداً من الفنانين الذين حافظوا على رؤيتهم، وآمنوا بأن الفن فعل حضاري ورسالة إنسانية قبل أن يكون ممارسة جمالية.
إن تجربة عبد الملك عاشور تؤكد أن اللوحة ما تزال قادرة على التفكير، وأن اللون، حين يحمل الذاكرة والانفعال، يتحول من مادة بصرية إلى خطاب إنساني عميق. ولهذا لا يبدو عبد الملك عاشور مجرد رسام بارع، بل شاهداً بصرياً على تاريخ مدينة، وتحولات وطن، وقدرة الفن على أن يجعل الذاكرة أكثر بقاءً من الزمن نفسه.