إلى أين يتجه العراق في ظل عملية مكافحة الفساد؟

فارس نەورۆڵی

بعد نزع سلاح عدد من الجماعات المسلحة وانضمامها إلى مؤسسات الدولة، انتقلت الحكومة إلى الخطوة الثانية المتمثلة في فتح ملفات الفساد واستعادة الأموال العراقية المنهوبة إلى خزينة الدولة. ويُعد ملفا السلاح المنفلت والفساد من أبرز أسباب عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق، كما أن فرض الدولة سيطرتها عليهما من شأنه أن يعزز هيبتها ويمنحها القدرة على تنفيذ برامجها الإصلاحية.

إن عملية مكافحة الفساد ليست انقلاباً ولا ثورة، كما يروّج لها البعض، وإنما هي تطبيق لسيادة القانون على التجاوزات التي ارتكبها مسؤولون وموظفون في مختلف مستويات الدولة، استغلوا مواقعهم الوظيفية لتحقيق مكاسب غير مشروعة ونهب ثروات البلاد، الأمر الذي يستوجب استرداد تلك الأموال وإعادتها إلى خزينة الدولة.

وتحظى هذه الخطوات، التي يقودها السيد علي الزيدي، بدعم إقليمي ودولي، فضلاً عن تأييد واسع من الشارع العراقي. ويكتسب هذا الملف أهمية استثنائية، إذ إن مكافحة الفساد في العراق تُعد من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، بعدما لم يعد الفساد مجرد مخالفات مالية أو إدارية، بل تحول إلى منظومة متجذرة داخل مؤسسات الدولة ومفاصل السلطة.

ومن هنا يبرز السؤال: إلى أين يتجه العراق في ظل هذه الحملة الرامية إلى اجتثاث الفساد؟

تعتمد الإجابة إلى حد كبير على مدى جدية الحكومة واستمرارها في تنفيذ هذه العملية، إلى جانب حجم الدعم السياسي والشعبي الذي تحظى به في هذا المسار. كما أن زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس دونالد ترامب، وما أعقبها من زيارات إلى عدد من دول المنطقة، منحت حكومة علي الزيدي زخماً سياسياً ودعماً يمكن أن يسهم في المضي قدماً بعملية مكافحة الفساد وتنفيذ بقية برامجها الإصلاحية.

وفي المقابل، يقع على عاتق الحكومة إثبات أن هذه الحملة لا تحمل أي أبعاد أو دوافع سياسية، وأن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز، وأن الهدف الأساسي منها هو خدمة المواطنين وحماية المال العام. فعندما تُطبق العدالة على الجميع، يمكن لهذه العملية أن تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن تمهد لانتعاش اقتصادي حقيقي، من خلال توظيف عائدات الدولة لخدمة المواطنين في جميع المحافظات، من حلبجة إلى البصرة، وتوجيهها بصورة عادلة نحو تطوير البنية التحتية وتعزيز الخدمات العامة.

ومن جانب آخر، ينبغي ألا تقتصر استراتيجية مكافحة الفساد على الاعتقالات والإجراءات القضائية فحسب، بل يجب أن تمتد إلى تجفيف منابعه عبر تحديث النظام الإداري، وتعزيز الشفافية، وتطوير آليات الرقابة والمساءلة، بما يمنع إعادة إنتاج الفساد مستقبلاً.

ختاماً، يمكن القول إن مستقبل العراق، في ظل غياب السلاح المنفلت، ومكافحة الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، يقف أمام خيارين: الأول، تحويل هذه الحملة إلى مشروع إصلاحي حقيقي يعيد ثقة المواطنين بالدولة ويكرّس مبدأ العدالة والمساواة بعيداً عن الانتماءات المذهبية والقومية؛ والثاني، أن تبقى مجرد مناورة مؤقتة لا تنجح في إحداث تغيير جوهري في بنية الحكم وآليات إدارة الدولة.

قد يعجبك ايضا