الاعتقال ليس النهاية… بل بداية الامتحان الأصعب

محمد علي الحيدري

قد يكون خبر اعتقال متهمين بقضايا فساد هو أكثر ما يجذب اهتمام الرأي العام، لكنه، من الناحية القانونية، ليس سوى الخطوة الأولى في مسار طويل ومعقد. فالدولة لا تنتصر على الفساد لحظة تنفيذ أمر القبض، وإنما عندما تتمكن من تحويل الاتهام إلى حكم قضائي راسخ، واستعادة المال العام، وترسيخ الثقة بأن القانون يسري على الجميع.

كثيرون يخلطون بين الاعتقال والإدانة. والحقيقة أن الاعتقال إجراء قانوني يهدف إلى حماية التحقيق وجمع الأدلة ومنع التأثير في الشهود أو العبث بالمستندات، لكنه لا يعني بحال من الأحوال ثبوت الجريمة. فالأصل في القانون أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، وهذه ليست مجرد قاعدة قانونية، بل ضمانة لحماية العدالة نفسها.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية من لحظة الاعتقال ذاتها. فالتحقيق يجب أن يكون مهنياً، ومستقلاً، وقائماً على الأدلة والوثائق والحسابات والتقارير الفنية، لا على الانطباعات أو الضغوط الإعلامية. وكلما كانت القضية أكبر، ازدادت الحاجة إلى بناء ملف قانوني متماسك يستطيع الصمود أمام القضاء.

بعد ذلك تنتقل القضية إلى القضاء المختص، حيث تبدأ مرحلة التدقيق في الأدلة والاستماع إلى الدفاع والادعاء والشهود والخبراء. وهنا يختبر النظام القضائي قدرته على تحقيق التوازن بين أمرين متلازمين: حماية المجتمع من الفساد، وحماية حقوق المتهمين في محاكمة عادلة. فالعدالة لا تتحقق بإدانة الجميع، كما لا تتحقق بإفلات الجميع، وإنما بتحقيق قانوني نزيه ومحاكمة عادلة تنتهي إلى حكم يستند إلى الوقائع وحدها.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن تكون الإجراءات القضائية محصنة من التدخلات السياسية والإعلامية. فالقاضي لا ينبغي أن يحكم تحت ضغط الشارع، كما لا يجوز أن يخضع لضغط النفوذ السياسي. لأن القضاء، إذا فقد استقلاله، خسر المجتمع آخر أدواته في مكافحة الفساد.

ومن الناحية العملية، تواجه مثل هذه القضايا تحديات كبيرة. فكثير من جرائم الفساد تعتمد على شبكات معقدة من الوسطاء والعقود الوهمية والشركات الواجهة والتحويلات المالية، وبعض الأموال قد تكون خرجت إلى خارج العراق. ولذلك فإن التحقيقات المالية، وتتبع حركة الأموال، والتعاون القضائي الدولي، أصبحت جميعها جزءاً أساسياً من أي ملف فساد كبير.

ثم تأتي مرحلة لا تقل أهمية عن الأحكام القضائية، وهي استرداد الأموال العامة. فالحكم بالسجن، مهما كانت مدته، لا يعوض الخزينة عن مليارات الدنانير إذا بقيت الأموال خارج متناول الدولة. ولهذا فإن نجاح أي حملة على الفساد يقاس أيضاً بما تسترده من المال العام، لا بعدد من يدخلون السجون.

كذلك فإن الرأي العام يحتاج إلى قدر معقول من الشفافية. فمن حق المواطنين أن يعرفوا، ضمن الحدود التي لا تضر بسير التحقيق، إلى أين وصلت القضايا، وما الذي تحقق فيها، ولماذا قد تستغرق بعض الملفات أشهراً أو سنوات. إن الصمت الطويل يولد الشكوك، بينما الشفافية المنضبطة تعزز الثقة بالقضاء.

ومن المفيد أيضاً أن تفضي هذه القضايا إلى مراجعة تشريعية وإدارية. فإذا كشفت التحقيقات عن ثغرات في قوانين العقود الحكومية أو الرقابة المالية أو الإفصاح عن الذمة المالية أو آليات المناقصات، فإن معالجة هذه الثغرات تصبح جزءاً من مكافحة الفساد. فالقضية ليست معاقبة من خالف القانون فحسب، بل أيضاً منع تكرار المخالفة مستقبلاً.

وفي هذا السياق، ينبغي أن تظل معايير العدالة واحدة. فإذا ثبتت الإدانة، وجب تنفيذ القانون دون تردد أو تمييز. وإذا لم تثبت، وجب احترام البراءة وعدم تحويل الاتهام إلى عقوبة بحد ذاته. فالدولة القوية لا تبحث عن إدانات بأي ثمن، وإنما تبحث عن أحكام عادلة تستند إلى الأدلة.

إن العراقيين لا يريدون أن يروا اعتقالات تنتهي بصمت، ولا ملفات تختفي مع تغير الظروف السياسية. ما ينتظره الناس هو مسار قانوني مكتمل: تحقيق مهني، ومحاكمة عادلة، وأحكام معللة، واسترداد للأموال، ومحاسبة لكل من يثبت تورطه، مع حماية كاملة لكل من تثبت براءته.

عندها فقط يمكن القول إن حملة مكافحة الفساد لم تكن مجرد عنوان في نشرات الأخبار، بل خطوة حقيقية نحو ترسيخ دولة المؤسسات، حيث تكون هيبة القانون أقوى من هيبة المنصب، وتصبح العدالة ممارسة يومية لا موسماً سياسياً.

قد يعجبك ايضا