استقلال القضاء… الضمانة الحقيقية لمكافحة الفساد

عرفان الداوودي

تشكل مكافحة الفساد إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة، فهي ليست إجراءً أمنياً مؤقتاً أو حملة إعلامية عابرة، وإنما استحقاق دستوري وقانوني يهدف إلى حماية المال العام، وصيانة مؤسسات الدولة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون بوصفه الأساس الذي تقوم عليه العدالة والاستقرار والتنمية.

وما شهدته الساحة العراقية من تنفيذ أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين على خلفية قضايا تتعلق بالفساد، استناداً إلى قرارات قضائية وإجراءات قانونية، يمثل مؤشراً على تفعيل أدوات المساءلة القانونية، ويبعث برسالة مفادها أن الوظيفة العامة لا تمنح حصانة لأحد، وأن جميع المواطنين، مهما كانت مناصبهم، يخضعون لسلطة القانون.

غير أن نجاح الدولة في مكافحة الفساد لا يقاس بعدد أوامر القبض أو الموقوفين، وإنما بقدرتها على بناء ملفات تحقيق رصينة، وإجراء محاكمات عادلة وشفافة تستند إلى الأدلة والوقائع، بعيداً عن أي ضغوط سياسية أو إعلامية. فالقاعدة الدستورية تقضي بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، مع ضمان جميع حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، باعتبارها من المبادئ الراسخة في الأنظمة القانونية الحديثة.

وفي الوقت ذاته، فإن الرأي العام يتطلع إلى كشف الحقيقة كاملة أمام القضاء، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هدر المال العام أو استغلال المنصب، دون انتقائية أو تمييز، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويؤكد أن العدالة تطبق على الجميع دون استثناء.

إن معركة مكافحة الفساد ليست سهلة، نظراً لما تمتلكه شبكات الفساد من نفوذ سياسي ومالي وإداري، الأمر الذي يفرض ضرورة توفير الحماية القانونية للأجهزة الرقابية، وضمان الاستقلال الكامل للسلطة القضائية، وتوفير إرادة سياسية حقيقية لا تخضع للمساومات أو المصالح الضيقة، لأن أي تهاون في هذا الملف يهدد هيبة الدولة ويقوض ثقة المجتمع بمؤسساته.

كما أن مكافحة الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من ترسيخ ثقافة احترام القانون، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن حالات الفساد، وحماية المال العام، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية في جميع مؤسسات الدولة.

إن كل موظف أو مسؤول، مهما علا منصبه، يجب أن يكون خاضعاً للمساءلة القانونية، فالمناصب العامة تكليف لخدمة المواطنين وليست امتيازاً شخصياً أو وسيلة لتحقيق المكاسب الخاصة، وأي إخلال بهذه الأمانة يستوجب المحاسبة وفق أحكام القانون.

واليوم، يحتاج العراق إلى إصلاح مؤسسي شامل يقوم على الشفافية، وسيادة القانون، وفتح جميع ملفات الفساد بلا استثناء، والعمل الجاد على استرداد الأموال العامة المنهوبة داخل العراق وخارجه، باعتبارها حقاً أصيلاً للشعب العراقي وللأجيال القادمة.

إن بناء دولة قوية لا يتحقق بالشعارات، بل بإرساء منظومة عدالة مستقلة، ومؤسسات رقابية فاعلة، وإدارة حكومية نزيهة، واقتصاد يقوم على الثقة وسيادة القانون. ومن هنا، فإن نجاح الحكومة في هذا المسار سيشكل نقطة تحول حقيقية نحو بناء دولة المؤسسات، وتهيئة بيئة استثمارية آمنة، وتحقيق التنمية المستدامة التي يستحقها العراقيون.

قد يعجبك ايضا