رمزي ميركاني
في خطوة وُصفت بأنها الهزة الأرضية في أركان الطبقة السياسية العراقية، أطلق رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أضخم حملة لمكافحة الفساد منذ عقود. وترجم الزيدي وعوده الانتخابية إلى واقع أمني وقضائي غير مسبوق. لم تكن هذه الحملة مجرد إجراءات إدارية روتينية، بل كانت زلزالاً سياسياً أعاد رسم خارطة القوة في البلاد. وضعها هيبة الدولة فوق الاعتبارات الحزبية والمحاصصات الضيقة التي نهبت مقدرات العراق لسنوات طويلة.
انطلقت الحملة التي أُطلق عليها اسم (الفجر) في ساعات الصباح الأولى. استيقظت بغداد على مشهد أمني لم يألفه العراقيون إلا في الأزمات الكبرى. أُغلقت مداخل المنطقة الخضراء، وتمركزت قوات النخبة من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش في تقاطعات حيوية. بينما كانت فرق المداهمة تطرق أبواباً ظنّ أصحابها أنها محصنة بـ(الحصانة والجاه). شملت الاعتقالات الأولى 47 شخصية من العيار الثقيل، ضمت نواباً حاليين وسابقين، ورؤساء تحالفات سياسية مثل مثنى السامرائي، ونواباً بارزين كعالية نصيف ومحمد الكربولي وزياد الجنابي. بالإضافة إلى مسؤولين تنفيذيين ورجال أعمال يمثلون الواجهات الاقتصادية لشبكات الفساد.
لم تكن هذه الاعتقالات مبنية على اتهامات مرسلة، بل استندت إلى كنوز من المعلومات والأدلة الدامغة. وجاءت قضية وكيل وزارة النفط “عدنان الجميلي” لتكون خيط البداية الذي كشف المستور. أدت اعترافاته إلى ضبط مبالغ خيالية كانت مخبأة تحت الأرض بعمق أربعة أمتار في منازل مشتبه بهم. مشهد استخراج أكثر من 100 مليار دينار و11 مليون دولار بالآليات الثقيلة، ومصادرة عشرات العقارات والسيارات الفارهة، لم يكن مجرد عملية ضبط، بل كان كشفاً صاعقاً لحجم النزيف الذي تعرض له المال العام. هذه المليارات المنهوبة هي في الحقيقة مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات افتقرت للدواء، وفرص عمل سُلبت من الشباب.
ما يميز حملة الزيدي عن سابقاتها هو هذا الالتفاف الوطني والسياسي والديني حولها. فقد أعلن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي دعمه الكامل لهذه الخطوة، واصفاً إياها بالخطوة التي طال انتظارها. كما جاء موقف “ائتلاف الإعمار والتنمية” بزعامة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني مؤيداً، مما يغلق الباب أمام محاولات تسييس الحملة أو تصويرها كصراع أجنحة. والأهم من ذلك، كان الغطاء الأخلاقي الذي وفرته المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، بتأكيد موقفها الثابت في محاربة الفساد واعتماد الكفاءة والنزاهة. أعطى الحملة شرعية شعبية مطلقة.
تؤكد المصادر أننا لسنا أمام فورة غضب مؤقتة، بل أمام خطة استراتيجية تمتد لستة أشهر. تستهدف أكثر من 200 شخصية ضمن ملفات الكسب غير المشروع ومن أين لك هذا. إن ملاحقة شبكات الفساد التي تغلغلت في عقود النفط، والمشاريع الكبرى، وغسيل الأموال، تتطلب شجاعة سياسية وقدرة على مواجهة مراكز القوى. وقد أظهرت الحكومة جدية بالغة بمخاطبة البرلمان لرفع الحصانة عن المطلوبين، والتنسيق مع الإنتربول لملاحقة الفاسدين الفارين في الخارج. ما يعني أن زمن الإفلات من العقاب قد شارف على النهاية.
إن نجاح هذه الحملة يمثل الرهان الأخير لاستعادة ثقة المواطن العراقي بمؤسساته. العراقيون اليوم لا ينظرون إلى عدد المعتقلين فحسب، بل ينتظرون تحويل هذه الملفات إلى أحكام قضائية نهائية، واسترداد كل دينار نهب من خزينة الدولة. لقد اختار الزيدي أن تكون معركة الدولة الأولى هي مواجهة الفساد، وهي معركة لا تقل ضراوة عن الحرب ضد الإرهاب. فإذا كان الإرهاب يهدد الأرواح، فإن الفساد يقوض أركان الدولة ويقتل الأمل في المستقبل.
اليوم، يقف العراق أمام فرصة تاريخية للتخلص من الأغلال التي كبلت اقتصاده. فهل ستنجح هذه الحملة في اجتثاث جذور الفساد لتؤسس لعراق جديد يقوم على العدالة والنزاهة؟ الأيام القادمة ستجيب، لكن فجر المحاسبة قد بزغ. ولا يبدو أن عجلة القانون ستتوقف قبل أن تستعيد الدولة هيبتها والمال العام حرمته.