نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة أسماء أدبية لا يمكن اختزالها في جنس أدبي واحد، لأنها صنعت مشروعها الإبداعي على امتداد الشعر والسرد والفكر والنقد، وجعلت من الكلمة موقفاً أخلاقياً قبل أن تكون شكلاً فنياً. ومن بين هذه الأسماء يبرز الشاعر والقاص والكاتب والناقد العراقي (كريم كاطع عبد الله العكيلي)، المعروف أدبياً بـ(كريم عبد)، بوصفه واحداً من أبرز الأصوات الثقافية العراقية التي حملت الوطن في الذاكرة، وحملت الذاكرة إلى المنافي.
ينتمي كريم عبد إلى جيل السبعينيات، ذلك الجيل الذي واجه التحولات السياسية العاصفة، وسعى إلى تجديد القصيدة العراقية وإعادة تعريف دور المثقف في مواجهة الاستبداد. ولم يكن الشعر بالنسبة إليه ترفاً لغوياً، بل كان فعلاً من أفعال الحرية، وصوتاً يقاوم الخوف، ويؤمن بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تهزم العزلة والمنفى.
يختصر الشاعر رؤيته للعراق في هذه الصرخة الموجعة:
(لا أدري من اختار لبلادي هذا الاسم الجميل، وقطعة السماء التي تسقفها، ثم كل هذا العدد من المشانق والأنذال)!
في هذه المفارقة الشعرية يتجسد العراق الذي أحبه حتى الألم، وطن تتنازعه الجماليات والكوارث، فيما ظل الشاعر وفياً له، رافضاً أن يساوم على حريته. وحين اشتدت حملة القمع في أواخر السبعينيات، اختار المنفى على أن يقدّم حريته قرباناً للطغيان، قائلاً: (لا أملك في هذه الدنيا سوى حريتي، ولن أقدمها لقمةً لأفواه الذئاب).
وهكذا بدأت رحلة اغتراب امتدت أكثر من ثلاثة عقود ونصف، لكنها لم تكن اغتراباً عن العراق، بل كانت اقتراباً روحياً منه. ومن قلب المنافي كتب:
(في المنافي… خلف الحدود السود، تتبعثر الليالي التي لا تنتهي… فيوقظنا صوت حزين مبحوح: يعيش العراق… يعيش العراق).
لقد ظل العراق في شعر كريم عبد وطناً داخلياً لا تغادره القصيدة، وذاكرة لا تنطفئ مهما ابتعدت الجغرافيا.

بدأ تجربته في فضاء القصيدة الشعبية الحديثة، قبل أن ينتقل إلى قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، ليؤسس لنفسه صوتاً شعرياً خاصاً يقوم على كثافة الصورة، وعمق الدلالة، والبعد الإنساني والفلسفي. وقد أثمرت هذه التجربة عدداً من المجموعات الشعرية المهمة، منها: (ثم نهدي الكلام 1986)، (أطروحة الندى 1987)، و(هدهد الشتاء والصيف 1994).
غير أن تجربته لم تتوقف عند الشعر، فقد وجد في القصة القصيرة فضاء آخر لاستعادة تفاصيل الحياة العراقية، فأصدر مجموعاته: (الهواء يوشك على الوجوم 1988)، (عزف عود بغدادي 1993)، (خرزة زرقاء 1997)، و(ليالي السيد سلمان) التي ترجمت إلى اللغة الإنكليزية عام 2010، في خطوة أسهمت في إيصال جانب من السرد العراقي إلى القارئ العالمي.
أما على الصعيد الفكري، فقد قدم قراءات عميقة في أزمة الدولة العراقية، فأصدر كتابيه: (الدولة غير المثقفة 1996) و(الدولة المأزومة والعنف الطائفي 2002)، مؤكداً أن الثقافة ليست زينة للنخبة، بل شرط أساسي لبناء الدولة الحديثة، وأن غياب الوعي الثقافي عن العمل السياسي يقود حتماً إلى المحاصصة والفساد وتفكك المؤسسات.
ولعل أجمل ما يميز كريم عبد أنه لم ينظر إلى الأدب بوصفه غاية مستقلة، بل وسيلة للدفاع عن الإنسان. فهو يقول: (لم نأتِ إلى الأدب من أجل الأدب، بل لأننا شعرنا بغياب العدالة في ظل دولة ظالمة). وهي عبارة تختصر فلسفته الإبداعية، حيث تتداخل القصيدة مع الفكرة، ويتجاور الجمال مع المسؤولية الأخلاقية.
وفي رؤيته للحب يقدم تصوراً مغايراً، إذ يعد قصيدة الحب شكلاً من أشكال المقاومة، لأن الدكتاتورية لا تقتل الإنسان فحسب، بل تحاول أن تطفئ قدرته على الحب والأمل. لذلك يصبح الاحتفاء بالحب دفاعاً عن إنسانية الإنسان، وعن حقه في الحياة الحرة.
وعندما زار العراق بعد اثنين وثلاثين عاماً من المنفى، لم يبحث عن عراق الذاكرة، لأنه كان يدرك أن الزمن غير المدن والوجوه والشوارع، لكنه وجد أن الأمل ما زال ممكناً، وأن العراق الجديد، رغم جراحه، يستحق أن يُكتب من جديد شعراً وقصةً وفكراً.
لقد ظل كريم عبد، طوال مسيرته، مثقفاً منحازاً لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية، مؤمناً بأن تداول السلطة وسيادة القانون هما الطريق الوحيد لبناء وطن يتسع لجميع أبنائه، بعيداً عن الانقلابات والاستبداد والمحاصصات الضيقة.
إن تجربة كريم عبد ليست مجرد تجربة شاعر أو قاص في المنفى، بل هي سيرة مثقف حمل وطنه معه حيثما ارتحل، ورفض أن تتحول الغربة إلى قطيعة مع الذاكرة. ولهذا بقي اسمه حاضراً في المشهد الثقافي العراقي والعربي، بوصفه أحد الأصوات التي جعلت من الأدب شهادة على زمن القمع، ومن الحرية عنواناً دائماً للحياة والإبداع.