نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة مبدعون لا يكتفون بصناعة الجمال، بل يحولونه إلى أسلوب حياة، ويجعلون من الفن رسالة، ومن الكلمة نافذة تطل على الإنسان والعالم. ومن بين هذه القامات الإبداعية تبرز الشاعرة والفنانة التشكيلية ليلى عبد الأمير محمد، التي استطاعت أن ترسم مسيرتها بهدوء الواثق، بعيداً عن ضجيج الأضواء، لتترك بصمة واضحة في الشعر العراقي والفن التشكيلي معاً.
ولدت ليلى عبد الأمير في الأول من تموز عام 1952 في بغداد، بمنطقة الكرخ، حيث تشكل وعيها الأول بين عبق الأزقة البغدادية وضفاف دجلة. ومنذ سنواتها المبكرة بدا واضحاً ميلها إلى الفن، فالتحقت بأكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، فرع الرسم، لتتخرج وهي تحمل مشروعاً إبداعياً جمع بين اللون والكلمة، وبين حساسية الفنان وبصيرة الشاعر.
لم يكن الرسم عندها فناً منفصلاً عن الشعر، بل كان امتداداً له. فالريشة التي اعتادت أن تلامس القماش، هي نفسها التي صاغت قصائد تنبض بالصورة والإيحاء والشفافية. ولهذا جاءت نصوصها الشعرية مشبعة بالحس البصري، حتى يشعر القارئ أنه يتجول داخل لوحة تشكيلية أكثر من كونه يقرأ قصيدة. فهي تكتب بالصورة قبل العبارة، وبالإحساس قبل البلاغة، فتمنح النص الشعري بعداً جمالياً خاصاً يميز تجربتها.
عملت في ميدان التربية مؤمنة بأن التعليم رسالة لا تقل شأناً عن رسالة الإبداع، وظلت تجمع بين رسالتها التربوية ونشاطها الثقافي، لتقدم نموذجاً للمثقف الذي يزاوج بين المعرفة والجمال، وبين المسؤولية الإنسانية والفن.
أثّرت المكتبة الشعرية بإصدارات مهمة، في مقدمتها مجموعتها (ثمة عزف في السماء) الصادرة عن دار الصواف للطباعة والنشر في بابل، والتي أهدتها إلى زوجها الفنان التشكيلي الراحل كامل حسين، ثم مجموعتها (أختفي وتلاحقني المرايا)، التي كشفت عن تجربة أكثر نضجاً وتأملاً، حيث تتحول المرآة إلى رمز للذات، ويصبح الغياب حضورًا داخلياً كثيفاً.
وفي حديث لها عن تجربتها، وصفت ديوانها الأول بأنه ولد من رحم المعاناة في وطن قدم أبناؤه أرواحهم قرباناً له، مؤكدة أنها امرأة عراقية ابتليت منذ طفولتها بحساسية الشعور، الأمر الذي دفعها إلى ممارسة الرسم وكتابة الشعر معاً. وترى أن الشعر قضية إنسانية لا تعرف الحدود، وأنه الابن الشرعي للمعاناة، فهو الذي يباغتها ويكتبها قبل أن تكتبه، حتى غدت نصوصها امتداداً لتفاصيل حياتها، على حد تعبيرها: (أنا أتنفس الشعر في أحيان كثيرة).

وقد رأى الشاعر أنمار مردان أن مجموعة (ثمة عزف في السماء) تمثل تجربة ناضجة في قصيدة النثر، بما تحمله من دهشة وصور شعرية عميقة وتوظيف جمالي للغة. أما القراءة المتأنية للمجموعة، فتكشف عن شاعرة تتنقل بين الوجدان والهم الوطني، وتناقش قضايا المجتمع برؤية فلسفية وسخرية شفيفة، مستثمرة أدوات الفن التشكيلي في بناء الصورة الشعرية.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في القصيدة التي حملت عنوان المجموعة، حيث تمتزج اللوحة بالقصيدة، والذاكرة بالحنين، في استحضار شفيف لغياب الزوج الراحل، الذي ظل حاضراً في وجدانها بوصفه شريك العمر والإبداع:
منذ ألفِ عام
وشجرةُ الكالبتوس تعانقُ الغيوم
وتجيدُ التلصصَ بعنايةٍ تامة
عصفورانِ يلوذانِ بالسكينةِ والخوف
على غصنٍ طاعنٍ بالحب
ثمةَ عزفٌ في السماء
وبقايا لحنٍ مركون.
في هذا النص تستدعي الشاعرة شجرة الكالبتوس والعصفورين بوصفهما عنصرين تشكيليين يختزلان الحنين والسكينة والخوف معاً، لتتحول القصيدة إلى لوحة نابضة بالمجاز، تستكمل فيها الألوان ما تعجز الكلمات عن قوله، وتترك للقارئ فسحة واسعة للتأويل.
وفي موضع آخر من تجربتها تقول:
أختلسُ النظرَ لوجهِكَ
المحشوِّ في قلبي
فيراودني اسمُكَ
أبحثُ عن حروبِ العلةِ فيه
يلفني الدوارُ
أفقدُ توازنَ المعنى
أدورُ حولكَ كمجرةٍ حافيةٍ
لا تشعرُ بالانتماءِ
أعانقُكَ وأغفو في مهدِ الغربةِ
كأني لم أكن.
إنه نص يكشف هشاشة الروح أمام الفقد، ويؤكد أن القصيدة عند ليلى عبد الأمير ليست بناءً لغوياً فحسب، بل تجربة وجدانية عميقة تنبع من الحياة نفسها.
ولم يقتصر حضورها على إصدار الدواوين، بل شاركت في مشاريع شعرية عربية ودولية، من بينها (الموسوعة المعاصرة لمائة شاعر وشاعرة عرب) المترجمة إلى الإسبانية، و(مئة نص نثري) المترجمة إلى الإنجليزية، فضلاً عن مشاركاتها في العديد من المجاميع الشعرية العراقية والعربية.
كما نشرت نصوصها في صحف ومجلات عراقية وعربية ودولية، منها: الصباح، الدستور، النهار، الزوراء، متون، ألف ياء، النجوم الأسترالية، المراقب الثقافي، والكواليس الجزائرية، لتؤكد حضورها المتواصل في المشهد الثقافي.
[6/28/2026 9:57 AM] جواد كاظم: ولأن التجربة الأصيلة تستدعي القراءة النقدية، فقد تناولها عدد كبير من النقاد والباحثين، منهم: الدكتورة أمل الغزالي، وداود السلمان، ورياض عبد الواحد، وحامد حبيب، وناصر أبو عون، وطالب عمران المعموري، وشكر حاجم الصالحي، وصباح المنصور، وعباس باني المالكي، وعبد الحسين الشيخ علي، وسعد الساعدي، وعبد الكريم الحلو، وغيرهم، وقد أجمعوا على أن تجربتها تقوم على الشفافية والصدق، وتبتعد عن الزخرفة اللفظية لمصلحة الجوهر الإنساني.
وبعد انتقالها إلى مدينة الحلة، واصلت حضورها الثقافي، وأسهمت في المهرجانات والأمسيات الأدبية، وانضمت إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في بابل، فضلاً عن عضويتها في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، ونقابة الفنانين، ونقابة المعلمين، في صورة تعكس تنوع عطائها الثقافي والتربوي.
وتكشف آراؤها عن شخصية متواضعة تؤمن بأن الشعر ليس ميداناً للمنافسة، بل فضاء للجمال وصدق الكلمة. كما تنظر إلى واقع المرأة المبدعة بواقعية، وترى أن الأعباء الاجتماعية قد تحرم كثيراً من النساء من مواصلة مشاريعهن الإبداعية، في حين تجد في تجربتي سعدي يوسف ونزار قباني نموذجين شعريين يثيران إعجابها، وتؤمن أن الكتابة والرسم لا يولدان إلا في لحظات الصفاء الكامل، حين تنفرد المبدعة بذاتها بعيداً عن صخب الحياة.
واليوم تواصل ليلى عبد الأمير رحلتها الإبداعية بثقة وهدوء، محافظة على ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الفن بالحياة، والقصيدة باللوحة، والإنسان بالجمال.
إنها ليست شاعرة تكتب القصيدة فحسب، ولا رسامة ترسم اللوحة فقط، بل صاحبة مشروع جمالي متكامل، يرى في الفن رسالة إنسانية وأخلاقية قبل أن يكون مهارة أو وسيلة للتعبير. ولهذا بقي حضورها ثابتاً، لأن الإبداع الصادق لا يحتاج إلى ضجيج كي يفرض نفسه، بل يكفيه أن يخرج من القلب ليصل إلى القلوب.
وهكذا تمضي ليلى عبد الأمير، حاملةً ريشةً في يد، وقصيدةً في الأخرى، تاركةً أثراً يشبه الضوء؛ هادئاً، لكنه لا ينطفئ. إنها واحدة من الأصوات النسوية العراقية التي استطاعت أن تثبت أن القصيدة يمكن أن تتحول إلى لوحة، وأن اللوحة يمكن أن تقرأ بوصفها قصيدة، حين يكون الفن صادقاً، ويكون الجمال طريقاً إلى الإنسان.