جليل وادي
كيف للديمقراطية أن تؤتي ثمارها ، اذا لم يكنالقائمون عليها مؤمنين بها ، ومستعدون للتضحيةفي سبيل ترسيخها في الدولة والمجتمع ؟ وفيتجربتنا لا ايمانا تلمسنا ولا تضحية رأينا ،ومصداقها غياب النموذج الديمقراطي القابلللاحتذاء على مستوى الأشخاص والأحزابوالممارسة الأوسع ، فلم نسمع بمؤتمر انتخابيلاختيار قيادات جديدة ، وان وجد وهو من النوادرتحسم نتائجه مسبقا على طريقة الأولين ، وجل ماشهدناه دكتاتوريات صارمة سواء في الدولة التيعلى السطح او تلك التي في العمق وهي الأشدوالأقوى من الطافية ، فعلى السطح يجري تدويرالحي مع الميت مع العليل ، ولا يخطر حتى فياحلامنا ان يحصل تغييرا على الخريطة ، تبدلات فيالقلة من الوجوه ، لكن الحال باقية على سوئها ،والوضع في العمق كما عهدناه قبل عقدين من غيرالتي سبقت الاحتلال ، وربما يتواصل ببقاءالزعامات الى الأبد طالما هي على قيد الحياة ، فأينالديمقراطية التي رفع الجميع شعارها ودفع الشعبأثمانها ؟. لا يمكن للمرء سوى القول بلا تردد : انالتشبث بالديمقراطية ليس خيارا وطنيا يُراد بهالنهوض بالعراق بعد عقود من الانكفاء ، بل لأنهاواقعنا تصب في الفئوي والشخصي من المصالح ،لذا لا غرابة في افتقاد الادارة الرشيدة للمجال العام، وشيوع مظاهر الفساد ، والتخبط في ادارةالأزمات ، فالنظر قصير ، والرؤية ضبابية ،والمشروع غائب ، ذلك ان العقول نفسها والأفكارذاتها .
الديمقراطية تعني حق المشاركة في صنع القرار ،وليس اقتصاره على اولئك الذين يظنون امتلاكهمللحقيقة ، الملهمون الذين لا يخطئون او يتسممونسياسيا ، وكيف لك أن تحرص على الممارسةالديمقراطية والمشاركة السياسية ، اذا كنت متيقناان الذي يصل لدائرة صنع القرار من غير الذين ترىفيهم الكفاءة والوطنية والنزاهة ، فالأبواب صارتمشرعة للمغامرين والمقاولين والذين لا يجيدون سوىالثرثرة ، والذين يدينون بالولاء المطلق للزعيم ، بينماأغلقت بوجه غيرهم قصدا وبهتانا . الديمقراطيةتعني حرية ابداء الرأي فيما يحصل ، وتأشيرمواضع الخلل بالنقد البناء ، لكن الجميع لا يستسيغالنقد ، ويعده تسقيطا ، او مؤامرة لإزاحته عنالسلطة ، او ارباكه في المنافسة ، او وضع العثراتفي طريقه ، فهذا رمز لا يجوز انتقاده لأنه فوقالشبهات ولا ينطق عن الهوى ، وذاك يُفترض الا تقللمن روحه المعنوية ، وثالث مخيف وتتحاشى المساسبه ، ورابع لابد من الحفاظ على هيبته لأنه مسؤول عنالعدالة ، وخامس ثري وله من الأساليب ما يعيدكالى حيث كنت ، وسادس وسابع . وليس رحبا فيالنقد سوى صدر الحكومة لأنها لا تعني أحدا منالمذكورين ، وبهذا ما عاد بمقدورك أن تكون واضحاوصريحا ومباشرا في التعبير عن آرائك ومواقفك ازاءما يحصل لبلادك من دمار وخراب ، وانت الذي تغليدواخلك لمراوحتنا في المكان ، وتراجع هيبة بلادناووزنها قياسا بالذين كانوا الى وقت قريب مثارتندرنا .
ليس مقنعا أبدا الكلام الذي يقول : ان ترسيخالديمقراطية يقتضي عقودا من الزمن ، وبحارا منالدم ، وأمواجا من الفوضى الخلاقة ، يمكن للزمن أنيُختصر مع الايمان ، وللخطوات أن تُكثف بوضوحالرؤية ، وللفوضى ان تتلاشى مع الانتماء للوطن ،وللدم أن يتوقف عندما نعلي للإنسان قيمة ، للذينعلى قمة الجبل والرابظين على سفوحه : القائد مننذر نفسه للإنسان وليس للسلطة ، بهذا وحده وليسبغيره يكتب أسمه بخطوط لامعة في سفر تاريخنا .
صدقوني : بالديمقراطية الحقيقية وليس بالسلاحفقط نواجه الخطوب ، ما يريده الأعداء ديمقراطيةزائفة تواصل مسيرتها دون عثرات ، نعم تجنون منهامالا وسلطة ونفوذا ، لكن تبصروا في عمقها ترونهشاشة السلطة وفقدان الاستقلال وانتهاك السيادة، وتيقنوا : مع الزيف لا نفوذ يدوم ولا مالا يبقى ،ومعها يتعذر على بلادنا وشعبنا التعافي ، وبهاتكون الطريق سالكة لمشاريع الهيمنة .