محمد علي محيي الدين
يمثل الدكتور حسن نجم مال الله البياتي واحداً من الوجوه الثقافية العراقية التي جمعت بين الشعر والبحث الأكاديمي والترجمة، فكان مثالاً للمثقف الموسوعي الذي تنقلت اهتماماته بين ميادين الأدب والنقد والدراسات الجامعية، وظل طوال حياته مؤمناً بأن الثقافة رسالة تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية. وقد ترك بصمته في أكثر من حقل معرفي، فكان شاعراً حمل هموم وطنه في قصائده، ومترجماً نقل إلى العربية نماذج مهمة من الأدب الروسي، وأستاذاً جامعياً أسهم في إعداد أجيال من الطلبة والباحثين داخل العراق وخارجه.
ولد حسن نجم مال الله البياتي سنة 1930 في مدينة قزلرباط، المعروفة اليوم بالسعدية، في محافظة ديالى شرقي العراق. وكانت تلك المنطقة، بما تمتاز به من تنوع بشري وثراء اجتماعي، أول نافذة أطل منها على الحياة. هناك أمضى سنوات طفولته الأولى وتلقى بدايات تعليمه، قبل أن تنتقل أسرته إلى مناطق أخرى، حاملاً معه ذكريات المكان الأول التي ظلت حاضرة في وجدانه وأدبه.
نشأ في فترة شهد فيها العراق تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، الأمر الذي أسهم في تشكيل وعيه الوطني المبكر. وقد ظهرت ميوله الأدبية منذ سنوات الدراسة الأولى، فوجد في القراءة والشعر متنفساً لطاقاته الفكرية، قبل أن يشق طريقه نحو التعليم العالي في بغداد، المدينة التي كانت آنذاك مركز الحركة الثقافية والفكرية في البلاد.
التحق بدار المعلمين العالية، التي كانت تعد من أبرز المؤسسات الأكاديمية العراقية، وتخرج فيها عام 1955 حاصلاً على شهادة الليسانس في الآداب بمرتبة الشرف. وقد هيأت له هذه الدراسة قاعدة علمية متينة في اللغة العربية وآدابها، وأكسبته أدوات البحث والتحليل التي سترافقه في مسيرته العلمية اللاحقة.
وبعد تخرجه بدأ حياته العملية مدرساً في عدد من الثانويات العراقية بين عامي 1955 و1959، متنقلاً بين محافظات مختلفة، فتعرف عن قرب إلى البيئات الاجتماعية والثقافية المتنوعة في العراق. وكانت تلك التجربة التربوية الأولى مناسبة لاختبار قدراته التعليمية وتوسيع آفاقه الإنسانية، كما أتاحت له فرصة مواصلة نشاطه الأدبي والشعري.
غير أن طموحه العلمي لم يتوقف عند حدود الدراسة الجامعية الأولى، فسافر إلى الاتحاد السوفيتي لمواصلة تحصيله الأكاديمي، وهناك انفتح على عالم ثقافي مختلف وغني. وفي موسكو درس اللغة والأدب الروسيين دراسة متعمقة، حتى نال درجة الدكتوراه عام 1965. وقد شكلت هذه المرحلة منعطفاً مهماً في حياته، إذ اكتسب معرفة واسعة بالأدب الروسي الكلاسيكي والحديث، واطلع على المناهج النقدية والفكرية السائدة في الجامعات السوفيتية، وهو ما انعكس لاحقاً على أعماله البحثية والترجمية.
وخلال وجوده في موسكو عمل محاضراً في كلية اللغات الشرقية بين عامي 1962 و1965، وهو أمر يعكس المكانة العلمية التي بلغها في وقت مبكر من حياته الأكاديمية. ولم يكن مجرد طالب دراسات عليا، بل كان أيضاً سفيراً للثقافة العربية في بيئة علمية عالمية، يسهم في تعريف الآخرين باللغة العربية وآدابها وتراثها.
وعند عودته إلى العراق انخرط في الحياة الجامعية، فعمل في جامعة البصرة ثم في الجامعة المستنصرية وجامعة الكوفة، متنقلاً بين مختلف المراتب العلمية من مدرس إلى أستاذ مساعد ثم أستاذ. وقد عرفه طلبته أستاذاً واسع الثقافة، يجمع بين المعرفة الأكاديمية الصارمة والروح الأدبية الرفيعة، ويحرص على ربط الدراسة النظرية بالواقع الثقافي والفكري.
وفي عام 1982 أحيل إلى التقاعد، غير أن علاقته بالجامعة لم تنقطع، إذ عاد إلى التدريس مرة أخرى عام 1993 في كلية التربية للبنات بجامعة الكوفة، مواصلاً رسالته التعليمية. كما اتسعت تجربته الأكاديمية خارج العراق، فعمل أستاذاً في كلية التربية بجامعة حضرموت في اليمن خلال عامي 1998 و1999، ثم أستاذاً زائراً في الدراسات العليا بكلية الآداب في جامعة صنعاء بين عامي 2000 و2001.
وقد تعرض خلال إقامته في اليمن لحادث مؤلم إثر سقوط أصاب رأسه، وكانت من نتائجه فقدان بصره. إلا أن هذه المحنة لم توقف نشاطه الفكري أو تقلل من عزيمته. فقد واجه ظلام العينين ببصيرة العالم والأديب، وواصل الكتابة والإنتاج الثقافي متحدياً ظروفه الصحية. وبعد ذلك استقر في العاصمة البريطانية لندن، حيث وجد الرعاية والدعم من أسرته، ولا سيما ابنه الطبيب الذي كان يرافقه ويساعده في تدوين أفكاره وكتاباته وإرسالها إلى الصحف والناشرين.
وعلى امتداد مسيرته الثقافية ظل البياتي حاضراً في الأوساط الأدبية والعلمية، فكان عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين، وجمعية المترجمين العراقيين، ونادي الفنون في البصرة، واتحاد الأكاديميين العراقيين في المملكة المتحدة، ورابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين في بريطانيا. وقد أتاحت له هذه العضويات التواصل المستمر مع النخب الثقافية العراقية والعربية، والمشاركة في الفعاليات الفكرية والأدبية المختلفة.
أما في ميدان البحث العلمي، فقد نشر عشرات الدراسات المتخصصة في مجالات الأدب والنقد والترجمة، وشارك في مؤتمرات وندوات علمية داخل العراق وخارجه. وتميزت أبحاثه بالجمع بين المنهج الأكاديمي الدقيق والرؤية الثقافية الواسعة، مستفيداً من خبرته في الثقافتين العربية والروسية على حد سواء.
ويحتل الشعر مكانة خاصة في تجربته الإبداعية. فقد عُدَّ من شعراء الجيل الثاني في حركة الحداثة الشعرية العراقية التي ازدهرت خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وهو الجيل الذي جاء بعد الرواد الكبار وأسهم في ترسيخ التجربة وتوسيع آفاقها. وقد تأثر شعره بالظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها العراق في تلك المرحلة، فجاءت قصائده مشبعة بالهم الوطني والنزعة التحررية والدعوة إلى العدالة الاجتماعية.
وكان منحازاً إلى التيارات الوطنية التي بشرت بالتحرر والاستقلال والتغيير الاجتماعي، فانعكست هذه المواقف على نتاجه الشعري المبكر، ولا سيما في قصائده السياسية التي واكبت التحولات الكبرى التي شهدها العراق في منتصف القرن العشرين. ومع ذلك لم يقتصر شعره على السياسة وحدها، بل تناول قضايا الإنسان والوجود والحب والاغتراب والتأمل في مصير الفرد والمجتمع.
ومن أبرز دواوينه الشعرية «من شفاه الحياة» الصادر عام 1956، و«جنود الاحتلال» عام 1959، وهما من الأعمال التي تكشف عن وعيه الوطني المبكر. ثم واصل مسيرته الشعرية فأصدر دواوين أخرى مثل «من سفر الحياة»، و«في ملكوت الظلام»، و«جراح الغضا»، و«سفر الحالات»، فضلاً عن كتاب «وجوه بصرية» الذي جمع بين الرباعيات والتأملات الأدبية.
كما انشغل بالدراسة النقدية والتاريخ الأدبي، فكتب مؤلفات تناولت الشعر العراقي الحديث، ودرس مواقف الشعر الجاهلي المناهضة للحروب، كما ألّف باللغة الروسية دراسة عن النزعة المناهضة للاستعمار في الشعر العراقي الحديث، وهي من الأعمال التي تعكس اهتمامه بتقديم الأدب العربي إلى القارئ الأجنبي. ومن مؤلفاته أيضاً كتاب «انتكاسة الشعر العراقي في حروب البلقان» الذي تناول فيه قضايا التفاعل الثقافي والفكري في ضوء المتغيرات الدولية.
ولم تقتصر جهوده على التأليف، بل كان من أبرز المترجمين العراقيين عن اللغة الروسية. فقد نقل إلى العربية عدداً من الروايات والقصص المهمة، وأسهم بذلك في تعريف القارئ العربي بأدب إحدى أهم الأمم التي أثرت في الثقافة العالمية. ومن بين الأعمال التي ترجمها «أولئك الذين تحت»، و«طيور الشمس»، و«زبد الحديد»، و«الحاجز»، و«اللغز المغلق»، وغيرها من الأعمال التي وسعت جسور التواصل الثقافي بين الأدبين العربي والروسي.
لقد عاش حسن البياتي حياة حافلة بالتجارب والمعرفة والتنقل بين الأوطان والثقافات، وواجه المحن بروح المثقف المؤمن برسالته. وبين قاعات الجامعات وصفحات الكتب ومنابر الشعر ظل وفياً للكلمة وللقيم التي آمن بها. ولهذا يحتفظ بمكانة متميزة في الذاكرة الثقافية العراقية بوصفه شاعراً وأكاديمياً ومترجماً أسهم في إثراء الثقافة العربية وفتح نوافذها على آداب العالم، وظل حتى سنواته الأخيرة مثالاً للعطاء الفكري الذي لا تحدّه حدود الجغرافيا ولا تعوقه قسوة الظروف.