كيان الإقليم؛ نتاج دماء الشعب لا سلعة في سوق الصراع الحزبي

 

نوري بیخالي

من الغريب أنه كلما وصل الصراع والتنافس السياسي بين القوى والأطراف في إقليم كردستان إلى طريق مسدود، أو أسفر عن تشنجات، يلجأ أحد الأطراف إلى سلاح قديم ومسموم؛ ألا وهو المتاجرة بالكيان الدستوري والسياسي لإقليم كردستان عبر بوابة بغداد!
هذه المعادلة المغلوطة ــ التي جربتها قوى أخرى في السابق، وأُعيد ترديدها مؤخراً كإسطوانة مشروخة على لسان تجار سياسيين طفيليين ــ تدل على عدم فهم عميق للتاريخ، أو تعبّر عن تجاهل متعمد ومستهتر للحقيقة الدامغة التي تقول: إن إقليم كردستان ليس ملكاً لأي حزب أو زعيم ليجعل من بغداد سوطاً يجلد به جسد الإقليم نكايةً بخصمه السياسي.
إن الذين يظنون أن الكيان الفيدرالي لإقليم كردستان مجرد نص قانوني أو دستوري صِيغ بعد عام 2003 ومنحته بغداد بكرم منها، هم قاصرو النظر؛ فقبل أن يصبح هذا الإقليم كياناً وحقيقة سياسية معترفاً بها دولياً، كان نتاج أكثر من قرن من النضال، والتضحيات، والنزوح، والنهوض القومي لشعب كردستان.
لقد بُني هذا الكيان على:
* أنهار من دماء الشهداء وقوافل التضحيات.
* مآسي القصف الكيميائي وحملات الأنفال السيئة الصيت ومقابرها الجماعية.
* تدمير القرى والبلدات وتجفيف ينابيع الحياة.
* دموع الأمهات الثكالى اللواتي يرتدين السواد.
لذلك، فإن استهداف هذا الكيان وإرسال رسائل ضعف إلى بغداد بدافع الحنق على المنافسين السياسيين، ليس إلا **انقلاباً على القيم والمسؤوليات القومية والوطنية**، وتنصلاً من ذلك الحلم التاريخي الذي دفع كل فرد كردي أغلى الأثمان من أجله.
إن توجيه النقد للحكومة، ومساءلتها عن الفساد، وخوض المعارك السياسية من أجل الإصلاح، هو حق أساسي ودستوري لكل قوة سياسية ولكل مواطن معارض؛ إذ يمكن للمرء أن يوجه أشد الانتقادات للأحزاب الحاكمة، ولكن لا ينبغي له أبداً أن يتجاوز الخطوط الوطنية الحمراء.
إن كسر هيبة الإقليم في بغداد، وتحريض المركز على تقويض الصلاحيات الدستورية لكردستان، لا يخدم العملية الديمقراطية ولا مصالح الشعب ومستقبل أجيالنا، بل هو ارتداد إلى الوراء، وتسليم لإرادة الشعب وقراره السياسي لجهة لم تتحرر بعد من عقلية المركزية الاستعلائية.
<الأحزاب والقادة يذهبون ويأتون، والقوى السياسية تكبر وتصغر بمرور الوقت، ولكن ما يجب أن يبقى كقلعة شامخة صامدة لا تقبل الانكسار، هو الكيان السياسي والدستوري لإقليم كردستان>.

ومن هذا المنطلق، فإن استغفال الشارع واستغلال عواطف الناس لمآرب حزبية ومصالح ضيقة عبر ضرب ركائز كيان الإقليم، هو لعبة خطيرة سيكون خصوم الكرد وأعداؤهم هم الرابح الأكبر فيها.
لذا، وبعيداً عن أي التزام حزبي أو انتماء أيديولوجي، وانطلاقاً من المسؤولية التاريخية، القومية، الوطنية، والأخلاقية تجاه نضال شعبنا ودماء شهدائه وتضحياته، فإن **المهمة القاطعة والواجب الحتمي الذي يقع على عاتق الصحفيين، المثقفين، ومنظمات المجتمع المدني بأسرها**، هو عدم السماح بتحويل دماء الشهداء وكفاح هذا الشعب الممتد لمئة عام إلى وقود لخلافات سياسية عقيمة وصراعات حزبوية ضيقة.
كردستان ملك للجميع وحمايتها واجب على الجميع، وليس مقبولاً ــ في غمرة الخلافات الحزبية وسياسة كسر العظم، وتحت تأثير الخطاب الشعبوي لهذه الشخصية الانتهازية أو تلك المجموعة السياسية النفعية ــ التفريط في هذه الأرض التي ورثناها بنضال الشعب ودمائه، أو إدارة الظهر لماضٍ حافل بالتضحيات، وحاضر الأمة ومستقبل وطنها.

قد يعجبك ايضا