محمد علي الحيدري
لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، بل كان طوال العقود الماضية أحد أهم مفاتيح القوة في الشرق الأوسط. فمن هذا الشريان البحري عبرت نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ومن خلاله تشكلت حسابات الحرب والسلام، وارتفعت أسعار الطاقة أو انخفضت، وتحركت الأساطيل والقواعد العسكرية والتحالفات الدولية.
لكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد المواجهات العسكرية المتكررة في المنطقة، دفع كثيراً من الدول والشركات ومراكز القرار الغربية إلى طرح سؤال كان يبدو حتى وقت قريب أقرب إلى الخيال: هل يمكن للعالم أن يقلل اعتماده على مضيق هرمز؟ بل هل بدأ فعلاً عصر البحث عن بدائل استراتيجية له؟
الخوف من هرمز ليس جديداً. فمنذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، مروراً بالأزمات المتلاحقة بين إيران والولايات المتحدة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة وما رافقها من تهديدات متبادلة، ظل المضيق نقطة ضعف كبرى في النظام الاقتصادي العالمي. فالعالم الذي يبحث عن الاستقرار لا يرتاح لفكرة أن جزءاً مهماً من إمداداته النفطية يمكن أن يتأثر بقرار سياسي أو مواجهة عسكرية أو حتى حادث أمني محدود.
لهذا السبب بدأت مشاريع الالتفاف على هرمز تظهر منذ سنوات، لكنها كانت تتحرك ببطء. أما اليوم فقد أصبحت جزءاً من نقاش استراتيجي واسع يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن والجغرافيا.
في الخليج، استثمرت الإمارات في خطوط أنابيب تنقل النفط مباشرة إلى موانئها على بحر العرب بعيداً عن المضيق. كما وسعت السعودية قدرات خطوط الأنابيب التي تربط حقولها النفطية بموانئ البحر الأحمر. وهذه المشاريع لا تلغي أهمية هرمز لكنها تقلل من حجم الاعتماد المطلق عليه.
وفي المقابل، تتزايد في الأوساط الغربية والإسرائيلية والأوروبية الأحاديث عن ممرات تجارية جديدة تربط الخليج بالبحر المتوسط عبر شبكات من السكك الحديدية والموانئ الحديثة. وهنا تظهر إسرائيل بوصفها أحد أبرز المستفيدين المحتملين من أي تحول استراتيجي كبير في طرق التجارة والطاقة.
فإذا نجحت مشاريع الربط بين الخليج والبحر المتوسط، فإن الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط قد تتحول إلى محطات رئيسية في حركة البضائع القادمة من آسيا والخليج نحو أوروبا. وهذا لا يمنح إسرائيل مكاسب اقتصادية فقط، بل يرفع من قيمتها الجيوسياسية ويجعلها جزءاً من معادلات التجارة العالمية بصورة أوسع مما هي عليه اليوم.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الحماسة التي تبديها بعض الدوائر الإسرائيلية والغربية تجاه مشاريع الممرات الاقتصادية الجديدة. فالمسألة لا تتعلق فقط بتقليل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، وإنما بإعادة رسم خريطة التجارة والنقل والطاقة في المنطقة بأسرها.
غير أن الحديث عن نهاية عصر هرمز يبقى سابقاً لأوانه.
فالمضيق لا يزال يتمتع بميزة جغرافية يصعب استنساخها. كما أن البنية التحتية البديلة ما زالت بحاجة إلى استثمارات هائلة واستقرار سياسي طويل الأمد وتفاهمات إقليمية معقدة. إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من صادرات الطاقة الخليجية سيبقى معتمداً عليه لسنوات طويلة مقبلة.
لكن الأهم من ذلك أن النقاش نفسه يحمل دلالة استراتيجية عميقة. فحين تبدأ القوى الكبرى بالتفكير جدياً في بدائل لممر ظل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، فهذا يعني أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة هندسة الجغرافيا السياسية.
وفي خضم هذا التحول تبدو الدول العربية أمام سؤال مصيري: هل ستكون شريكاً في رسم خرائط الممرات الجديدة، أم مجرد أرض تعبر فوقها المشاريع التي يصممها الآخرون؟
فالتاريخ يعلمنا أن طرق التجارة لا تنقل البضائع وحدها، بل تنقل النفوذ والثروة ومراكز القوة أيضاً. وحين تتغير الطرق، تتغير معها موازين القوى.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كان العالم سيستغني عن مضيق هرمز، بل من ستكون له اليد العليا في العالم الذي قد ينشأ إذا تراجع احتكار هرمز لدوره التاريخي. ففي ذلك العالم الجديد قد لا تكون المعركة على النفط وحده، بل على الخرائط نفسها.