صراع الإرادات: حين تتخبط الأقوال أمام ثبات المبادئ

احمد زبير باني

في منعطفات التاريخ الكبرى، لا تُمتحن الأحزاب ببياناتها الإعلامية أو بشعاراتها البراقة، بل تُمتحن بمدى انحيازها للشرعية التي يمنحها صوت الناخب، وبقدرتها على تجاوز المصالح الضيقة أمام استحقاقات الوطن. إن المشهد السياسي الحالي في إقليم كوردستان، وما يكتنفه من “ضجيج إعلامي” صادر عن أطراف تفتقر إلى البوصلة الوطنية، يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل تُدار الدول بالأوهام، أم بالحقائق الدامغة التي لا تقبل التأويل؟
صنم الديمقراطية ومطرقة التهرب
إن من يسعى لتعطيل المؤسسات التشريعية بعد كل استحقاق انتخابي، لا يمارس سياسة، بل يمارس “احتجازاً للقرار الوطني”. لقد أثبتت التجارب أن التذرع بالذرائع، ووضع العراقيل أمام تشكيل الحكومة، ليس إلا هروباً من مواجهة الواقع. إن الشراكة الوطنية لا تُبنى بفرض الإرادات، بل باحترام “صندوق الاقتراع” الذي يعد الفيصل الوحيد في ديمقراطيات الشعوب الحرة. وحين يتحدث البعض عن “الشراكة” بينما هم يغردون خارج سرب الشرعية الدستورية، فإنهم يسقطون في فخ التناقض الذي كشفته الجماهير قبل المراقبين.
لغة الأرقام.. في مواجهة ضجيج الشعارات
في السياسة، الأرقام هي اللغة الوحيدة التي لا تعرف الانحياز. إن الحجم الانتخابي ليس مجرد مقاعد في قبة البرلمان، بل هو حجم الثقة التي أولاها الشعب لنهجٍ أثبت صلابته في حماية المكتسبات. إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ومن خلال مرجعيته المؤسساتية الواحدة وقراره الموحد، لم يكن يوماً باحثاً عن السلطة لذاتها، بل كان وما يزال صمام الأمان للقضية الوطنية. في حين يغرق الطرف الآخر في مستنقع “التخبط”، معتقداً أن الذاكرة الجمعية للكوردستانيين قد تخونهم في نسيان ممارسات لا تليق بالعمل السياسي المسؤول.
سياسة “الخطف” مقابل سياسة “البناء”
المفارقة المؤلمة تكمن في أن من يتباكى على “سياسة فرض الإرادات” هو أول من يمارسها على الأرض. إن تحويل مناطق معينة إلى رهائن لمصالح حزبية ضيقة، وعرقلة مسارات التنمية والعدالة الإدارية، ليس إلا اعترافاً صريحاً بالعجز عن المنافسة في ساحة الإنجاز. إن الوطن ليس غنيمةً تُوزع، بل هو أمانة يُسأل عنها من يتصدر المشهد.
الكلمة الأخيرة: التاريخ لا يرحم
إن التاريخ لا يُكتب بالخطابات الارتجالية، بل يُكتب بالصمود أمام التحديات. إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بوصفه الممثل الشرعي والأكثر ثقة لدى الجماهير، ليس في وارد “المساومة” على حقوق شعبٍ دفع دماءً طاهرة ليحيا بكرامة. إن دعوتنا اليوم ليست إلا صرخة في وجه العبث؛ فكفوا عن جعل إقليمنا ساحة لتجاربكم، وانخرطوا في مسار البناء الذي تفرضه المصلحة العليا، قبل أن تتجاوزكم إرادة الشعب التي لا تُقهر.
إن القوة ليست في الصوت العالي، بل في الحكمة التي تدرك أن الاستقرار هو الغاية، وأن المبادئ هي الأساس، وأن من يزرع الريح، لن يحصد إلا العزلة السياسية.

قد يعجبك ايضا