عندما تكون القيادة واعية.. تكون الأمة راقية.

د. أحمد العامري

التأريخ لا يجامل أحداً، وهو خير شاهدٍ على أن مصائر الأمم تُبنى على أكتاف رجالها وأن انحدارها أو نهوضها مرهون بنوعية من يقودها فكلما كانت القيادة واعية متزنة تملك ميزان العقل وحكمة التجربة وحنكة السياسة كانت صمّام أمانٍ للبلد بل وسداً منيعاً أمام رياح الفوضى وأعاصير الفتنة. الأمم التي نهضت وأرتقت لم ترتفع بالصدفة لكنها وجدت في رأس هرمها رجلاً يرى أبعد من اللحظة ويزن الأمور بميزان المصالح العليا لبلده وشعبه فيُقدّم ما ينفع ويؤخر ما يضر ويجمع ولا يفرّق ويبني ولا يهدم. القيادة هنا ليست منصباً يَتقلد انما هي مسؤولية تُحمل وأمانة لا لايمكن أن تخان. والمقابل أيضاً إذا غابت الحكمة وحل مكانها التَهور وإذا استُبدل الميزان السياسي بالعصبية والمزاج تحولت القيادة من صمّام أمان إلى مصدرخَطر.فحينها تتشتت الكلمة وتعدد وتتنوع المراكز ويضيع القرار بين أيدٍ متضاربة لا يجمعها مشروع ولا توحّدها رؤية.وهذا ما عاشه العراق في واقعه السياسي؟ فالبلدٌ غني بتاريخه متنوع بنسيجه زاخر بطاقاته لكنه عانى من تشت القرار وتعدد المرجعيات وتداخل الولاءات !؟ . فكانت النتيجة تراجعاً على كل الصعد وفوضى إدارية وفراغاً ملأته الصراعات والتناحرات. وحين يغيب العقل الجامع يصبح كل طرفٍ مشروع دولة وحده وتتحول الساحة إلى ساحات.اليوم
المطلوب ليس استدعاء الماضي للبكاء عليه بل قراءته بعين العبرة. من خلال إعادة صياغة الواقع السياسي على أسسٍ جديدة تعتمد على وحدة قرار ووضوح رؤية وإبعاد البلد عن منطق المحاصصة والاستنزاف؟ واقع تُدار فيه الدولة بعقلية المؤسسات لا بعقلية المغانم وتُحسم فيه الخلافات بلغة الحوار لا بلغة الاستقواء.وإن من أولويات هذه الصياغة الانفتاح على المحيط العربي فالعراق جزء أصيل من جسد الأمة، ولا يصح أن يبقى معزولاً أو أسيراً لتجاذبات لا تخدمه. تقارب عربي صادق يفتح آفاق الاقتصاد والأمن والثقافة ويعيد للعراق دوره الطبيعي كحلقة وصلٍ لا كساحة صراع.كما أن بناء علاقات دولية متوازنة صار ضرورة لا ترفاً. علاقات تحكمها لغة المصالح المشروعة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين. عالم اليوم لا يحترم الضعيف ولا يصغي إلا لمن يملك رؤيةً واضحة ويتحدث بصوتٍ واحد.الخلاصة العراق لا ينقصه المال ولا الرجال ولا التاريخ لكنه يحتاج إلى قيادة واعية تملك البوصلة فتخرجه من دوامة الأزمات إلى فضاء الدولة. فإذا استقامت القيادة استقامت الأمة وإذا ارتقت ارتقت معها الناس. فالقيادة الواعية ليست ترفاً سياسياً بل شرط وجود ومن دونها تبقى الأمم تدور في حلقةٍ مفرغة تعيد إنتاج الفوضى باسم الحرية والتشتت والتمزق باسم التعدد. والعاقل من وعضته التجارب.

قد يعجبك ايضا