نبيل عبد الأمير الربيعي
في تاريخ الشعوب محطات تتجاوز حدود السياسة والحروب، لتتحول إلى جزء من الوجدان الجمعي والهوية الوطنية. وحين يذكر الشعب الكُردي، تحضر البيشمركة بوصفها واحدة من أبرز تجليات إرادته في الدفاع عن وجوده وحقوقه وكرامته. فهي ليست مجرد قوة عسكرية نشأت في ظروف استثنائية، بل تجربة تاريخية متكاملة امتدت لأكثر من قرن، واختزلت في مسيرتها الطويلة أحلام أمة سعت إلى صيانة هويتها، وحماية أرضها، والدفاع عن حقها في الحياة الحرة الكريمة.
لقد ارتبط اسم البيشمركة في الوعي الكُردي بمعنى خاص؛ فالكلمة نفسها تعني (الذين يواجهون الموت)، لكنها لم تكن يوما مرادفا للموت بقدر ما كانت مرادفا للحياة التي تستحق الدفاع عنها. ولهذا فإن البيشمركة لم تُبنَ على فلسفة الحرب من أجل الحرب، ولا على ثقافة القوة من أجل الهيمنة، بل على فكرة الدفاع عن الإنسان وحقه في الوجود، وهي فكرة رافقت مسيرتها منذ البدايات الأولى وحتى يومنا هذا.
وعندما نعود إلى الجذور التاريخية لهذه التجربة، نجد أنفسنا أمام شخصية الشيخ عبد السلام بارزاني، الذي مثل أحد أهم رموز الوعي السياسي الكُردي المبكر. ففي مطلع القرن العشرين، وبينما كانت المنطقة تعيش تحولات كبرى، أدرك الشيخ عبد السلام أن الدفاع عن اللغة والثقافة والهوية ليس ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية لشعب يسعى إلى الحفاظ على خصوصيته. ومن هنا جاءت تحركاته بين عامي 1907 و1914 لتشكل إرهاصات أول مشروع مقاومة كُردية منظمة، لا بوصفها تمردا قبليا محدودا، وإنما بوصفها حركة ذات أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية.
وحين أقدمت السلطات العثمانية على إعدامه في الموصل عام 1914، ظنت أنها أغلقت ملفا سياسياً مزعجا، لكنها في الحقيقة فتحت صفحة جديدة في تاريخ الحركة القومية الكُردية. فقد تحول الرجل إلى رمز خالد في الذاكرة الشعبية، وأصبح اسمه مرادفا للتضحية والثبات على المبدأ، وغدت أفكاره منطلقا لأجيال متعاقبة من المناضلين الذين رأوا في الدفاع عن الحقوق قضية لا تنتهي برحيل أصحابها.
ومع منتصف القرن العشرين دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة أكثر نضجا وتنظيما. ففي عام 1946 أُعلنت جمهورية كردستان في مهاباد بقيادة القاضي محمد، لتكون أول تجربة سياسية كُردية حديثة تتخذ شكل الدولة. ورغم قصر عمر تلك الجمهورية، فإنها تركت أثرا بالغا في الوعي القومي الكُردي، لأنها جسدت لأول مرة حلم الانتقال من النضال إلى بناء المؤسسات.
وفي تلك اللحظة التاريخية برز دور الملا مصطفى البارزاني الذي قاد قواته عبر الجبال والوديان من كردستان العراق إلى مهاباد، في مشهد عبر عن وحدة المصير الكردي رغم الحدود السياسية التي فرضتها الاتفاقيات الدولية. لقد كان وصول البارزاني إلى مهاباد إعلانا عمليا بأن الانتماء القومي يتجاوز الجغرافيا السياسية، وأن التضامن بين أبناء الشعب الواحد يمكن أن يصنع معجزات في أحلك الظروف.
وعندما انهارت الجمهورية تحت ضغط التدخلات العسكرية الإقليمية، لم يقبل البارزاني الاستسلام، بل اختار طريق المنفى الطويل نحو الاتحاد السوفيتي (سابقاً). وكانت تلك الرحلة الملحمية واحدة من أكثر الأحداث تأثيرا في التاريخ الكردي الحديث، لأنها قدمت نموذجا للقائد الذي خسر الأرض مؤقتا لكنه حافظ على الفكرة حية في قلوب أتباعه.
ومع اندلاع ثورة أيلول عام 1961 دخلت البيشمركة مرحلة جديدة من التنظيم والتأثير. فقد أصبحت القوة الرئيسة التي حملت مشروع الحركة التحررية الكردية، وخاضت معارك طويلة ومعقدة ضد الحكومات المتعاقبة في بغداد. غير أن أهمية تلك المرحلة لا تكمن في البعد العسكري وحده، بل في ترسيخ منظومة أخلاقية خاصة بالمقاتل الكردي.
فالبيشمركة لم تعرف بتاريخ من الانتقام أو الإبادة أو استهداف المدنيين، بل ارتبطت في الذاكرة الكُردية والعراقية بمبادئ احترام الإنسان حتى في زمن الحرب. لقد أدرك مقاتلوها أن القضية العادلة تفقد عدالتها إذا تخلت عن قيمها الأخلاقية، ولذلك ظل احترام الأسرى والجرحى وعدم التعرض للمدنيين جزءا من ثقافة راسخة داخل صفوفها.
ومن يقرأ تاريخ الصراعات في الشرق الأوسط يدرك أن هذه السمة ليست أمرا عابرا، بل استثناءً يستحق التوقف عنده. ففي منطقة شهدت حروبا طاحنة وجرائم مروعة، استطاعت البيشمركة أن تحافظ على صورة مختلفة نسبيا، قائمة على الانضباط والالتزام بقواعد الشرف العسكري، وهو ما أكسبها احتراما حتى لدى كثير من خصومها.
ثم جاءت انتفاضة آذار 1991 لتشكل منعطفا تاريخيا حاسما. فقد اندفعت البيشمركة مع الجماهير الكردية لتحرير مدن الإقليم من قبضة السلطة المركزية، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء المؤسسات السياسية والإدارية. ومن رحم تلك الانتفاضة وُلد إقليم كُردستان بصيغته الحديثة، وتحولت البيشمركة من قوات ثورية إلى مؤسسة رسمية تتبع وزارة متخصصة وتحظى بشرعية قانونية ودستورية.
وكان هذا التحول من العمل الثوري إلى العمل المؤسساتي أحد أهم نجاحات التجربة الكُردية المعاصرة. فالكثير من الحركات المسلحة في العالم تعجز عن الانتقال من مرحلة البندقية إلى مرحلة الدولة، لكن البيشمركة استطاعت أن تصبح جزءا من منظومة حكم وإدارة، مع احتفاظها بدورها الأمني والعسكري في حماية الإقليم.
وفي صيف عام 2014 واجه العراق والمنطقة أخطر تحد أمني تمثل بظهور تنظيم داعش الإرهابي. وفي الوقت الذي انهارت فيه خطوط دفاع كثيرة أمام زحف التنظيم، وقفت البيشمركة في مواقعها، وخاضت معارك شرسة للدفاع عن مدن كردستان وعن مكونات المجتمع العراقي كافة.
لقد كانت معركة البيشمركة ضد داعش أكثر من مواجهة عسكرية؛ كانت دفاعا عن قيم التعددية والتعايش والإنسانية في مواجهة مشروع ظلامي قائم على القتل والكراهية. وقد دفعت آلاف الشهداء والجرحى في سبيل ذلك، لكنها نجحت في أن تكون أحد أهم العوامل التي ساهمت في كسر شوكة التنظيم وإسقاط أسطورة تمدده.
ولم يكن غريبا بعد ذلك أن تحظى البيشمركة بإشادة دولية واسعة، وأن تتحول إلى رمز عالمي لمقاومة الإرهاب. وعندما اختارت باريس إطلاق اسم (البيشمركة) على أحد شوارعها، فإنها لم تكن تكرم قوة عسكرية فحسب، بل كانت تحتفي بقيم الشجاعة والتضحية التي مثلتها تلك القوات في مواجهة أحد أخطر التنظيمات الإرهابية في العصر الحديث.
واليوم، ورغم كل ما حققته البيشمركة من حضور ومكانة، فإنها لا تزال تواجه حملات تشكيك ومحاولات لإعادة تعريفها خارج إطارها الدستوري والقانوني. غير أن الحقيقة تبقى واضحة؛ فالبيشمركة ليست ميليشيا طارئة ولا قوة خارجة عن القانون، بل مؤسسة دستورية تستند إلى نصوص واضحة في الدستور العراقي، وتعمل ضمن الإطار القانوني لإقليم كردستان.
إن الحديث عن البيشمركة ليس حديثا عن السلاح فقط، بل عن تجربة إنسانية وسياسية وأخلاقية امتدت لأكثر من مئة عام. إنها قصة شعب رفض الذوبان، وأصر على التمسك بلغته وثقافته وهويته، وقصة رجال ونساء اختاروا أن يواجهوا الموت دفاعًا عن الحياة.
ولهذا فإن البيشمركة ستبقى أكثر من مجرد قوة عسكرية؛ ستبقى رمزا لذاكرة شعب، وعنوانا لمرحلة طويلة من النضال، وشاهدا على أن الشجاعة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تقترن بالأخلاق، وأن القوة التي تحمي الإنسان أسمى من القوة التي تسعى إلى إخضاعه. ومن هنا اكتسبت البيشمركة مكانتها في التاريخ الكُردي والعراقي، لا باعتبارها قوة مقاتلة فقط، بل باعتبارها مدرسة في الصمود والإيمان بالحرية، وتجسيدا لفكرة إنسانية خالدة مفادها أن الدفاع عن الكرامة هو أقدس أشكال النضال.