صانع التوابيت الذي يكره الموت

سرحان محمد علي الكاكئي

في حي باب الشيخ، يعيش التلعفري سليم في مشغل صغير ورثه عن جده لصناعة الصناديق الخشبية والتوابيت. طوال أربعين سنة، كانت وظيفته هي إعداد البيوت الأخيرة للعابرين، لكنه كان يكره الموت بكافة أشكاله. في كل مرة يمسح فيها بالمنشار على قطعة خشب من الجاوي أو الساج، كان يدعو في سره أن يقل الطلب على بضاعته، وأن يطيل الله في أعمار الناس، حتى لو تسبب ذلك في قطع رزقه وإفلاسه.
في ليلة ظلمة من ليالي الشتاء، كان سليم يغلق باب المشغل الخشبي، عندما وقفت سيارة سوداء قديمة أمام المحل. نزل منها رجل يرتدي معطفا قديما، يحمل بيده كيسا من القماش، وتقدم نحو سليم وقال بنبرة هادئة: “أحتاج تابوتا مخصصا، بمقاسات دقيقة، ويجب أن يجهز قبل طلوع الفجر”. اعتذر سليم قائلاً: “يا أخي، الوقت متأخر والمحل مغلق، تعال صباحاً”. لكن الرجل وضع كيس القماش على الطاولة، ليتبين أن بداخله مبلغا كبيرا من المال يكفي لسد ديون سليم لسنوات. نظر الرجل في عينيه وقال: “الأمر لا يحتمل التأجيل، وصاحب التابوت ينتظر”.
تراجع سليم واضطر للقبول تحت ضغط الحاجة. سأل الرجل عن المقاسات، فأخرج الغريب ورقة صغيرة بها أرقام دقيقة جداً لطول وعرض الجسد. بدأ سليم العمل، يقطع الخشب ويسمر الألواح، والغرابة كانت تتملكه لأن الأرقام المكتوبة في الورقة بدت مألوفة جداً لروحه، وكأنه يحفظها عن ظهر قلب. كان الغريب يجلس على كرسي خشبي في الزاوية، يراقب حركات المطرقة بصمت مطبق، وعيناه لا ترمشان.
قبل الفجر بساعة، انتهى سليم من صنع التابوت، ومسح عنه نشارة الخشب. التفت إلى الرجل وقال: “تفضل، هذا هو الصندوق جاهز، أين الجثة لنقلها؟”. نهض الرجل من مكانه ببطء، وخلع معطفه الثقيل، وتقدم نحو التابوت ثم استلقى بداخلها بكل هدوء. ذهل سليم وصرخ: “يا معود، شجاي تسوي؟ اخرج!”. لكن الرجل نظر إليه وابتسم براحة وقال: “المقاسات مضبوطة تماماً يا سليم، عاشت إيدك”.
في تلك اللحظة، لمح سليم وجه الرجل بوضوح تحت ضوء المصباح الأصفر المعلق؛ لم يكن الرجل غريباً، بل كان يشبهه تماماً، كان هو نفسه ولكن بملامح متعبة وأكبر بسنوات قليلة. تراجع سليم للخلف وسقط على الأرض برعب، بينما أغلق الرجل غطاء التابوت من الداخل بقوة وصدر صوت المسمار الأخير يغلق الصندوق تلقائياً. استيقظ سليم مع آذان الفجر وهو يصرخ، ليجد نفسه مستلقيا على أرضية المشغل ونشارة الخشب تغطي ثيابه. ركض نحو الطاولة فلم يجد كيس المال ولا الورقة، لكنه عندما نظر إلى الزاوية، وجد تابوتا جديدا مصنوعا بعناية فائقة وبنفس المقاسات. فتح الصندوق بيدين ترتجفان ل يجده خاليا، لكن كانت هناك عبارة محفورة على الخشب من الداخل تقول: “الموت لا يأخذنا فجأة يا سليم، نحن نصنعه بأيدينا وبخوفنا كل يوم، عش حياتك واترك الخشب للأشجار”. ومنذ تلك الليلة، أغلق سليم مشغل التوابيت نهائياً، وافتتح مكاناً لبيع شتلات الورد والياسمين، مكفراً عن سنوات الخوف بالحياة.

قد يعجبك ايضا