العصافير التي فقدت أعشاشها قصة قصيرة

د. أميمة منير جادو

في ذلك الصباح لم توقظني زقزقة العصافير كما اعتدت، بل أيقظني صوت خشن يشق السكون.
طرقات متلاحقة… ثم أزيز معدني حاد.
نهضت مذعورة واتجهت إلى الشرفة.
كان المنشار ينهش جذع الشجرة الكبيرة الواقفة أمام العمارة منذ سنوات طويلة، تلك التي كانت تعلو حتى الطابق السابع، وتفرد أذرعها فوق الشارع كأنها مظلة حمراء هائلة. كل ربيع كانت تتزين بالزهور القانية، فتغدو السماء أقرب، ويغدو الشارع أقل قسوة، وتأتي العصافير من كل صوب لتتخذ من أغصانها مدينة صغيرة تستقبل الفجر بالأغاني.
صرخت من الشرفة:
— من يقطع الشجرة؟
رفع رجل في الثلاثينيات رأسه نحوي، وقال بغلظة:
— وأنا حر. هذه شجرتنا. زرعتها مع ابي منذ سنوات.
قلت:
— لكن لماذا؟!
أشار بيده إلى العمال بغطرسة:
— اقطعوها.
ثم التفت إليّ مضيفًا:
— هل هذا يضايقك ؟ ماذا يخصك ؟
شعرت بعجز غريب.
قلت بصوت خافت:
— لكنها تظلل الشارع… وتمنحه جمالًا..وزهورها الحمراء تغطي سقف الشارع والعصافير تسكنها.
ضحك بسخرية مريرة وقال:
— ولما فرع منها وقع على عربيتي يوم العاصفة؟! كان حد سأل عني؟! لا… أنا سأقطعها، وأكسرها، وأحرقها ايضا. ولا دخل لأحد بذلك.
ولم يكن يهدد.
فقد أشار إلى العمال، فراحوا يجمعون الأغصان الصغيرة في أكوام، ثم أشعلوا فيها النار.
تصاعد الدخان في الشارع كله.
ورأيت الشجرة التي كانت تستضيف الفجر كل يوم تختنق بصمت..
تناثرت زهور البوانسيانا الحمراء الجميلة على الأرض كأنها تقدم عزاء في أمها الملقاة جثة هامدة على جانب الشارع.
كانت الضربات تتوالى على الجذع العتيق.
كل ضربة كانت تصل إلى قلبي.
وكلما سقط غصن، ارتفع سرب من العصافير مذعورًا، يدور في الهواء ثم يعود، كأنه لا يصدق أن بيته يختفي أمام عينيه.
استمر الرجال ساعات طويلة.
رجال أشداء يحيطون بساق هائلة، يقطعونها وينشرونها جزءًا بعد جزء، بالمنشار الكهربي حتى سقطت أخيرًا.
اهتز الشارع كله.
وساد صمت ثقيل.
صمت يشبه الموت.
بعدها راح المنشار يحول الجذع العظيم إلى أسطوانات خشبية ضخمة تراكمت بجوار الجدار كجثة ممزقة.
أغلقت الشرفة وتواريت في صمت كئيب موجع.
لكنني لم أستطع إغلاق قلبي.
بكيت يومها كما يُبكى صديق قديم.
ولم يكن ذلك المشهد الأخير.
فقد تكرر بعد سنوات في شارع آخر، ومدينة أخرى، وشجرة أخرى.وأمام بيت آخر كنت اقطنه..
كلما قطنت بيتا تحتضنه اشجارا وفرحت بجمالها خضرتها زهورها عصافيرها ..امتدت إليه الأيادي البشرية الآثمة .
وفي كل مرة كنت أكتشف أن الإنسان يستطيع أن يهزم كل شيء إلا الجمال؛ لأنه حين يقتله، يموت جزء منه أيضًا.
أما العصافير…
فقد عادت في صباح اليوم التالي.
كان الشارع عاريا من زينته ومن قبعته اقرعا.
دارت طويلًا فوق المكان الخالي.
ثم رحلت.

قد يعجبك ايضا