دروس صينية في صناعة الابتكار من المدرسة المنبع

أ.د. محمد علي الربيعي *

» (Nature) (20 (اثارت انتباهي مؤخرا مقالة لافتةنشرت في مجلة «نيتشر» (Nature) العريقة (20 ايار2026)، تحمل عنوانا مباشرا وعميقا في ان واحد: “الابتكار يبدا من المدارسدروس من الصين“. ومازاد هذا المقال اهمية وجاذبية، واكسبه وزنا استثنائيا،هو انه كتب باقلام اكاديميين وباحثين صينيين (دانتاو، روي وي، ويونغ خه تشنغ). وهنا تكمن القيمةالحقيقية للطرح، فهم بلا شكاعلم بشعاب مكة،والاكثر دراية بخبايا المنظومة التعليمية في بلادهم،وفي تشخيص الفجوات وفهم مواطن القوة الكامنة وراءقفزات الصين التكنولوجية والاقتصادية.

تبدا حكاية المقال من حقيقة يغفل عنها الكثير منمخططي السياسات التعليمية في عالمنا العربي: انالدول التي تطمح الى بناء منظومات ابتكار ناجحةوقادرة على المنافسة عالميا، لا يمكنها ان تبدا من قمةالهرماي من مراكز الابحاث المتقدمة او الجامعاتفقطبل عليها اولا وقبل كل شيء ان تستثمر فيالجذور، في تعليم العلوم في المدارس، وفي المعلم الذييقود هذا التعليم.

وينقلنا الكتاب الصينيون في سرد خطير للواقع،يوضحون فيه كيف ان التفوق في مجالات الذكاءالاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والهندسة المتقدمة،ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية وطنيةتتغلغل في الفصول الدراسية الاساسية. لكنهم، بروحالنقد الذاتي البناء، لا يكتفون باستعراض الانجازات،بل يسلطون الضوء على الحاجة الملحة للتطوير المستمرفي اعداد معلمين قادرين على الانتقال بالتعليم منالتلقين السلبي وحفظ النصوص الى تفجير طاقاتالتفكير النقدي والفضول العلمي لدى الاطفال.

ان الدرس الاساسي الذي نخرج به من هذه القراءةالصينية الخالصة هو ان المعلم يظل حجر الزاوية فياي نهضة علمية. الاستثمار في تأهيله وتزويده بأحدثمهارات الاستقصاء العلمي ليس ترفا، بل هو خطالدفاع الاول عن مستقبل اي بلد يريد مكانا تحتشمس الاقتصاد المعرفي. ومن هنا، يضع المقال امامنامرآة واضحة: اذا اردنا ابتكارا حقيقيا يغير وجهالمجتمع، فعلينا اولا ان نصلح المدارس، ونعيد الاعتبارلمعلم العلوم، ونعلم الاطفال كيف يسالونلماذا وكيف،بدلا منماذا ومتى».

ولا يقف الباحثون الصينيون في مقالهم عند حدودالتنظير، بل يغوصون في تفاصيل هيكلية تكشف عمقالازمة التي تواجهها حتى المنظومات الناجحة. فهميشيرون بوضوح الى فجوة جوهرية: كيف يمكن لبلديطمح لسيادة الابتكار العالمي ان يعتمد على نظاماعداد معلمين لا يواكب هذا الطموح؟ يذكر المقال انتحديث المناهج وبناء المختبرات المتقدمة في المدارسيظلان بلا قيمة حقيقية ما لم يتوفر المعلم المؤهل الذييمتلك مهاراتالاستقصاء العلميوالقدرة علىتحويل الفصل الدراسي الى ورشة عمل حية للفضولوالتجريب.

هنا يتجلى النقد الذاتي الجريء، اذ يعترف الكُتّاب بانالاعتماد الطويل على نظام الحفظ والتلقين والاختباراتالصارمة، رغم انه انتج كفاءات عالية في حل المشكلاتالنمطية، الا انه قد يعوق توليد الافكار الابداعيةالخارقة للمألوف. ولذلك، تسعى الصين اليوم، وفقاللمقال، الى احداث ثورة في برامج اعداد المعلمين فيالجامعات، عبر دمج العلوم البينتخصصية والتركيزعلى كيفية تعليم الاطفالالتفكير كعلماء».

ان هذه المراجعة الصينية تضع بين ايدينا مجموعة منالدروس المستفادة التي يمكن صياغتها في نقاطجوهرية:

الابتكار لا يصنع في المختبرات الجامعية فقط: بل تولدبذرته الاولى في المرحلة الابتدائية والمتوسطة عندمايتاح للطفل ان يلمس العلوم بيده ويفكر بنقدواستقلالية.

الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الضامن: ان تطويركليات التربية وتاهيل معلم ومدرس العلوم ليس مجرداجراء اداري، بل هو قضية امن قومي وتنموي لاي دولةتنشد المستقبل.

الانتقال منكم المعرفةالىنوعية التفكير“: لم يعدالتحدي هو حشو عقول الطلاب بالمعلومات المتوفرةبنقرة زر، بل في تدريبهم على كيفية صياغةالفرضيات، واجراء التجارب، وتقبل الفشل كخطوة نحوالنجاح.

في ختام قراءتي لهذا المقال، لم يسعني الا اناتساءل: اذا كان هذا هو حال الصينوهي العملاقالتكنولوجي الذي يهدد عروشا اقتصادية كبرىورغمذلك يجلس اكاديميوها ليمارسوا هذا النقد الذاتيالشجاع لتعليمهم المدرسي، فاين نحن من هذهالمراجعات؟

المقال لا يصف لنا وصفة نجاح صينية جاهزة، بل يوجهلنا صفعة تنبيه باردة: ان اصلاح التعليم لا يحدثبالشعارات والاستعراض الخارجي، بل بالنزول الىالارض، الى غرف الصفوف الابتدائية، وتأهيل المعلمالذي يقف خلف المنصة. لقد اثبت لنا خبراء الصين،وهم الاعرف بشعابها، ان الابتكار ليس سحرا، بل هوغرس نزرعه اليوم في المدرسة، لنحصده غدا فيمصانع ومختبرات المستقبل. فالامم التي لا تستثمرفي معلم العلوم اليوم، لن تجد علماء يقودون ابتكاراتهاغدا.

 

* بروفيسور متمرس ومستشار تربوي دولي

قد يعجبك ايضا