رقية سعد
هنا في هذه الأرض خُطّت حكاية البشرية الأولى؛ الوعي الأول للإنسان، الحرف الأول، القانون الأول، المدينة الأولى، والحضارة الأولى. أرض ممتدة في عمق التاريخ، شهدت ملوكاً، وعلماء، وشخصيات عظيمة، مروا من هنا واحداً تلو الآخر، رحلوا وتركوا خلفهم آثاراً وشواخص لا تحكي فقط عن أمجاد الماضي، بل تحكي الكثير الكثير عن سايكولوجية هذا الشعب، وتحمل في تفاصيلها حكايا الآباء والأجداد. إن الآثار العراقية ليست مجرد أحجار صامتة أو لُقىً طينية مبعثرة، بل هي الشيفرة الوراثية لهويتنا، والشاهد الحي على عبقرية الإنسان العراقي. ومع ذلك، واجه هذا الإرث العظيم عبر العقود الأخيرة مظلومية كبرى كادت أن تأتي على ملامحه وتطمس معالمه.
تتمثل مظلومية هذه الشواخص الحية في عدة أبعاد لعل أبرزها ما تعرضت له من عمليات نهب وسلب ممنهجة .
لاسيما في أوقات الانفلات الامني والحروب التي مر بها هذا البلد .
إن مشاهد إستباحة الآثار العراقية لم تكن مجرد سرقة لقطع ثمينة .
بل كأنها محاولة لسرقة “الذاكرة الجمعية ” لهذا الشعب وطمس هويته وكسر الثقة بنفسه لعلمهم بأهمية هذا الامر في السيطرة عليه .
وتحويل تراثه الى بضائع تباع وتشترى في صالات المزاد والمتاحف العالمية. علاوة على ذلك واجهت هذه الاثار مظلومية أشد وطأة تمثلت في التدمير الايديولوجي المتطرف . حيث تعرضت مدن أثرية كاملة وحواضر تاريخية الى هجمات بربرية حاولت محو هوية الارض وتنوعها الفكري .
وقولبة المتبقي منها ليسهل لهم التحكم فيه .
هذه الهجمات استهدفت الرابط الروحي والنفسي العميق الذي يربط الفرد العراقي المعاصر بجذوره ومحاولة لقطع حبائل الحكمة والمعرفة الأزلية التي ورثها خلفاً عن سلف .
أما اليوم مازالت تلك المظلومية مستمرة لكنها ارتدت ثوباً آخر من الاهمال والتهميش وجعل الاهتمام من قبل الدولة بالأماكن الأثرية هامشي جداً ورفاهية يمكن الاستغناء عنها .
الاماكن مهملة لدرجة مبكية للضمير الحي .
وعرضة للعبث متروكة في البراري المظلمة دون حماية
من تحديات التغير المناخي وارتفاع مناسيب المياه الجوفية، والملوحة ، وسط غياب الرعاية التكنلوجية الحديثة القادرة على ترميم هذه الشواهد وحمايتها وفق المعايير الدولية. يضاف الى ذلك ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على هذه المواقع .
والتي يجب أن تتحول من مجرد أطلال صامتة إلى معالم حية ومرآة تعكس عمقنا النفسي والحضاري .
وقد يكون العمل على تغليظ العقوبات وملاحقة المهربين والعابثين ، وتفعيل الدبلوماسية الثقافية لاستعادة ماتبقى من القطع المنهوبة في الخارج ، وجعل مادة الاثار المحلية وضرورة الحفاظ عليها جزءا ً من مادة التاريخ في المناهج الدراسية محاولة لتدارك ما حدث
إن إنصاف هذه الآثار ورفع المظلومية عنها لم يعد ترفاً، بل هو معركة وعي وجودية لاستعادة الذات وحماية أسرار الطين والروح التي تركتها لنا الشخصيات العظيمة التي عاشت هنا. فالأمة التي لا تحمي آثارها تفقد بوصلة مستقبلها، وإنقاذ هذا الإرث هو أولى خطوات استرداد الثقة بالهوية العراقية الأزلية.