د. نصير الحسيني
اتجهت العمارة بشتى أنواع الطرق محاولة الابتكار وتحقيق الدهشة حتى عادت تبحث عن طرقٍ تقربها إلى الطبيعة ويسميها الباحثون العودة إلى الاصل أو البدايات الاولى في الوجود الطبيعي مع بقية الكائنات في الطبيعة الخضراء معللة الاسباب ان المدن الحديثة المكونة من الكتل الكونكريتية الضخمة التي حولت المدن إلى غابات من الاحجار الكونكريتية وتركت خلفها مساحات شاسعة يعمها الخراب والفوضى، ولعل هذه المدن الحديدية ساهمت في حصر الريف وبفضل الفوارق الكبيرة بين المدينة والريف تعاظمت الهجرة من الريف الى المدينة تاركة ورائها الهواء النقي والطبيعة الخضراء ونقلت الامراض الاجتماعية الى المدن الحديثة وتحولت أراضٍ كثيرة إلى مناطق صحراوية يصعب العيش فيها ويوماً بعد يوم تزايدت مشاكل المدن وكثر ضوضاءها حتى بدت المدن بوضع كارثي وذات عبث وسعى البعض الى محاولة الهجرة العكسية الى الريف أو الهروب من مشاكل المدن وتراكم الضغوطات التي يواجها ابن المدينة نتيجة الاضطرابات السياسية وزيادة حجم الفوضى وسيادة النظرية الرأسمالية ادت إلى محاصرة الإنسان حتى صار يحلم بالطبيعة باعتبارها الاصل والبداية غير ان حجم التحديات والهموم الجديدة بما فيها عدم التناغم الاجتماعي في ظل الظروف الجديدة ادى الى مجموعة من المتناقضات والمواقف التي اثرت على الحياة وربما كثرة التطور وازدياد الطلب على المواد المختلفة التي يحتاجها الانتاج في تطور مواد البناء وتنوع استخدامها في الحياة بل قل تعدد الاستخدام سواء في داخل الابنية أو خارجها فأدت إلى مخاطر ربما هي غير مرئية للبعض، ويعتقد بعض الخبراء ان مثل هذه المواد الكثيرة التي انتجت في عصرنا الراهن ربما تحمل كثير من الآثار السلبية العديدة لاحتوائها على مواد سامة مثل البولي فينيل كلوريدا(pvc) وتعدد استخدامها في الابواب والجدران البلاستيكية وفي صنع انابيب مياه الشرب والصرف الصحي على اشكالها المتنوعة وتعدى ذلك الى الارضيات والواجهات والستائر والاجهزة الكهربائية بأنواعها والى غير ذلك من الاستخدامات الاخرى.
يعتقد بعض علماء المواد ان المواد المنتجة من تعدد استخدام مادة فينيل كلوريد مونومر (vcm) التي تعتبر شديدة الخطورة على صحة الانسان وبالتحديد على الجهاز التنفسي الذي يؤدي إلى احتباس الهواء في الرئة ومن ثم يكون الجسم مكاناً حاضناً للتلوث الاحيائي ويساعد في نمو البكتريا والفيروسات والفطريات على اختلاف اشكالها وأنواعها ومن ثم ظهورها بشتى الأمراض التي تبدو لنا جديدة!.
و ظهر تعبير جديد سمي متلازمة البناء المريض (sick Building syndrome) وعرف باسم البناء المريض ويتمثل بعدم رضا الإنسان عن المكان الذي هو فيه وتعدي إلى الشعور بالاحتلال والاجهاد والصداع والزغللة في العيون اضافةً الى الالتهابات المتنوعة وشعور بالضيق وغير ذلك من الاجهادات التي تؤثر على الحياة والعمل وتقودنا الى المشاكل الاجتماعية بسبب عدم الاستقرار النفسي الدائم وظهرت دراسات مختلفة في هذا المجال واكتشف بعض العلماء ان نسبة 30% من سكان الابنية الجديدة والمتجددة يعانون من امراضٍ عدة انتشرت في المؤسسات الصحية والمشافي ونعرض بعضٍ منها:
1.تهيجات في العيون والانف والحلق.
2.جفاف الحلق والانف والجلد.
3.صعوبات في التنفس وضيق الصدر.
4.اجهاد ذهني.
5.صداع وغثيان ودوار.
6.طفح جلدي.
7.ألام في العضلات وأعراض مشابهة للانفلونزا.
8. ضغط عصبي.
وفي الولايات المتحدة الامريكية أظهرت الدراسات النسب التالية:
– 50% بسبب التهوية.
– 34% الملوثات الميكروبية.
– 5% – 11% عوامل غير معروفة.
وثمة أمراض كثيرة تحدث لا يعرف الإنسان مصدرها وربما تعود للتطور في استخدام المواد الجديدة، ولعل بعض الشكوك تتجه نحو ان المواد الجديدة تمتلك نسبة من الاشعاع غير المتساوي وربما يتفاعل أو يتعارض مع بعضه وينتج ما ينتج من مضاعفات تؤثر على مستخدم المكان وإذا ما اضفنا إلى ذلك ان اغلب المواد الحديثة تنتج من مخلفات البترول والمخلفات الصناعية واعادة تدويرها فضلاً عن التغير المناخي والاحتباس الحراري وفضلات الحروب المشعة ناهيك عن المتفجرات منها والالغام بأنواعها! وباءً على ذلك يستدعي الأمر الدراسة والاستكشاف والمتابعة ويعتقد بعض الباحثين أيضاً ان الكائنات الحياتية مثل البكتريا والفيروسات وسواها من الكائنات الاخرى هي أيضاً تتطور لآنها تمتلك حيل متعددة للبقاء والظهور بشتى الاشكال الجديدة تماشياً مع الواقع المتغير..
وعلى أية حال فالمجتمعات المرتبكة وغير المتوازنة في سياستها الاقتصادية والسياسية والعلمية لا تولي اهتماماً للصحة العامة أو الى المواد الانشائية الجديدة وتعتمد على سياسة الاستيراد دون رؤية استراتيجية، كثيراً ما تقودنا الى الفوضى والتلوث بشتى الاشكال المتنوعة، وستظهر أمراض جديدة وتتفشى في جوانب متعددة في حياتنا العصرية وسنتطرق إلى بعض منها لاحقاً..