عرفان الداوودي
فحين يتم الكشف عن سرقة النفط عبر ثقب الأنابيب ونقله بالصهاريج لسنوات طويلة، وحين تُكتشف سيطرات وهمية تمارس أعمالها بعيداً عن القانون، فإن الأمر لا يتعلق بفرد أو مجموعة صغيرة فقط، بل يطرح أسئلة كبيرة ومشروعة عن الجهات التي كانت مسؤولة عن الرقابة والمتابعة والمحاسبة.
كيف يمكن أن تستمر سرقة النفط منذ عام 2005 وحتى عام 2026 دون كشفها؟ وكيف تمكنت هذه الشبكات من العمل طوال أكثر من عشرين عاماً؟ وأين كانت الجهات الرقابية والأمنية والإدارية خلال هذه الفترة؟ ومن وفر الحماية والدعم والتغطية لهذه الأعمال؟
إن الفاسد لا يستطيع الاستمرار وحده، بل يحتاج إلى من يحميه ويتستر عليه ويغض الطرف عن مخالفاته. لذلك فإن محاربة الفساد لا تعني الاكتفاء باعتقال بعض الأشخاص أو تقديمهم ككبش فداء، بل تتطلب الوصول إلى جميع المتورطين، من المنفذين إلى المستفيدين، ومن المتسترين إلى المقصرين في أداء واجباتهم.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا الحقيقة كاملة: من سرق؟ ومن سهل؟ ومن تستر؟ ومن استفاد؟ لأن حماية الفاسدين أخطر من الفساد نفسه، والسكوت عن الخطأ شراكة فيه.
إن المال العام والثروات الوطنية ملك للشعب، والتفريط بها أو سرقتها جريمة بحق الوطن والأجيال القادمة. لذلك فإن العدالة الحقيقية لا تكون انتقائية، بل تشمل الجميع دون استثناء، بعيداً عن النفوذ والمحسوبية والضغوط السياسية.
إن استعادة ثقة المواطن بالدولة لا تتحقق بالتصريحات، بل بكشف جميع الحقائق ومحاسبة كل من تورط أو سهل أو تستر، مهما كان موقعه أو نفوذه. فالأوطان لا تُبنى إلا بالشفافية والعدالة وسيادة القانون، ولا يمكن للإصلاح أن ينجح ما دام الفاسدون ومن يقفون خلفهم بمنأى عن المساءلة .