أكرم محمد
تعد شخصية رستم زال واحدة من أعمق الظواهر الأسطورية في تاريخ شعوب الشرق الأدنى، وتحديداً لدى شعب الكردي الذي يرى في هذا البطل تجسيداً حياً لهويته، وجغرافيته، وقيمه الإنسانية والنضالية عبر العصور. ورغم أن اسم رستم ارتبط تاريخياً بملحمة “الشاهنامة” الإقليمية، إلا أن البحوث الأكاديمية الحديثة والمسوح الميدانية للمخطوطات القديمة أثبتت أن للتراث الكردي روايته المستقلة تماماً، والتي تنبع أصالتها من جبال زاغروس الشاهقة لتصنع بطلاً شعبياً حراً يختلف في فلسفته وأهدافه عن أبطال البلاط الملكي الموحد. تبدأ الجذور التاريخية والأنثروبولوجية لشخصية رستم زال من النطاق الجغرافي واللغوي في مناطق كردستان التاريخية، وهو الموطن التاريخي العريق لشعب الكرد وسلفهم من الميديين. وتشير الدراسات الإثنوغرافية الغربية إلى أن أصل أسطورة رستم يعود إلى قبائل “الساكا” أو السكيثيين، وهم شعوب جبلية اختلطت تاريخياً وثقافياً بسكان جبال زاغروس. ويظهر هذا الارتباط الجغرافي جلياً في أمهات الكتب التاريخية؛ إذ يذكر المؤرخ والجغرافي ياقوت الحموي في كتابه الشهير “معجم البلدان” أن المعالم الأثرية الكبرى المرتبطة بمغامرات رستم، ومربط حصانه الأسطوري الوفي “رخش”، تقع في مناطق مثل شوشان بالقرب من محافظة “إيلام” الحالية، وهي مناطق ذات امتداد سكاني كردستاني عريق. كما يمتد هذا الرابط التاريخي إلى العصور الإسلامية، حيث أشارت مصادر مثل المؤرخ ابن حزم القرطبي في كتابه “جمهرة أنساب العرب” إلى الدولة الرستمية التي قامت في شمال إفريقيا، موضحاً أن مؤسسيها أرجعوا نسبهم المباشر إلى البطل الأسطوري رستم وزال، مؤكدين انحدار هذه السلالة من أصول كردية قديمة، مما يعزز البُعد العرقي والتاريخي للاسم في الذاكرة الجماعية. أما من الناحية الأدبية والتوثيقية، فقد فجرت الأبحاث الأكاديمية (مثل أطروحة الدكتوراه للباحث الكردي د. بهروز شامان آرا الصادرة عن جامعة غوتينغن الألمانية) مفاجأة كبرى بالكشف عن الوجود المادي لما يُعرف بـ “الشاهنامة الكردية” (Şaname).
وتوجد نسخ ومخطوطات نادرة من هذه الملحمة محفوظة حتى اليوم في متاحف عالمية كبرى مثل المكتبة الوطنية في برلين والمكتبة البريطانية في لندن. وتعود هذه المخطوطات المكتوبة بالخط العربي وباللهجات الكردية القديمة (كالگورانية، الهورامية، واللورفيلية) إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد صاغها شعراء وأدباء من الكرد كان أبرزهم الشاعر والقيادي العشائري ألماس خان الكانولي المتوفى عام 1777 ميلادية. وتكمن الأهمية العلمية لهذه المخطوطات في أنها لا تمثل ترجمة أو اقتباساً من الأدب الفارسي، بل تحتوي على خط درامي مستقل تماماً ومغامرات ومعارك حصرية ل رستم زال لا وجود لها نهائياً في شاهنامة الفردوسي الفارسية؛ مثل ملحمته الطويلة ضد العملاق أو الغول الأصفر المعروف باسم “زردة هانغ”، وصراعه الفكري والبدني المعقد مع شخصية أسطورية تنفرد بها النسخة الكردية تُدعى “رستم يكدست” (رستم ذو اليد الواحدة). بالإضافة إلى ذلك، فإن الشاهنامة الكردية صِيغت على وزن المقاطع العشرية (10 مقاطع صوتية) وهو الوزن الموسيقي التقليدي القديم الخاص بالأغاني والملاحم الجبلية والريفية الكردية، وتختلف تماماً عن بحور الشعر العروضية الكلاسيكية (بحر المتقارب) التي كُتبت بها النسخ الرسمية الأخرى. وتتجلى عظمة الأسطورة الكردية في الفلسفة الفكرية والاجتماعية التي صبغت بها شخصية رستم زال، حيث تحول من بطل يدافع عن تيجان الملوك وعروشهم المركزية إلى “فارس شعبي حر” ينحاز دائماً للفقراء، والمستضعفين، والفلاحين. وفي المخيلة الشعبية، لا يطيع رستم الحكام طاعة عمياء، بل يظهر في مواقف عديدة وهو يوبخ الملوك ويثور ضد قراراتهم إذا كانت تنطوي على ظلم للرعية، مما يمثل فلسفة الحرية واللامركزية التي تميز بها الكرد عبر التاريخ. كما ترتبط القوة البدنية الخارقة لرستم في الموروث الكردي بمنظومة أخلاقية صارمة قائمة على “العهد، والمواثيق، والشهامة”. ولم تقتصر الأسطورة على الأبعاد الاجتماعية بل امتدت للأبعاد العقائدية والدينية؛ إذ ترتبط قصص رستم في مناطق كرمانشاه وإيلام بالأدب الديني والرمزي للطائفة اليارسانية، حيث يُنظر إلى رستم زال كرمز لتناسخ الأرواح وتجسيد متجدد لنور الخير والعدالة الإلهية في صراعه الأزلي ضد قوى الشر، والظلام، وقسوة الطبيعة الجبلية التي يمثلها “الديو” أو الغيلان. ويظهر هذا التميز العقائدي في معركته التاريخية الكبرى ضد البطل “إسفنديار”، والتي يفسرها علماء الأدب المقارن بأنها صراع وجودي قاده رستم لرفض فرض ديانة الإمبراطورية المركزية الجديدة (الزرادشتية) بالقوة، متمسكاً بحريته ومعتقداته الطبيعية القديمة النابعة من روح الجبل.

إن إنسان جبال زاغروس لم يكتفِ بتدوين هذه الأسطورة في المخطوطات، بل نقلها شفهياً عبر الأجيال من خلال مجالس الشيوخ ونظام “الدنكبيج” (المغنين التراثيين) الذين كانوا يتنقلون بالملاحم الغنائية بين القرى والعشائر، محولين قصص رستم إلى مدرسة لتربية الشباب على قيم الفروسية والشرف. ولقد أسقط الكرد هذه الأسطورة على جغرافيتهم ومظاهرهم الطبيعية، فنجد حتى اليوم معالم جبلية حقيقية تحمل اسمه في كردستان، مثل موقع صخري ضخم يُعرف باسم “سرير رستم” (Teyxtê Rustem) ينام عليه البطل نظراً لضخامته الخارقة، وكهوف وعرة تُعرف بأنها كانت “مربط حصانه السحري رخش”، الذي حظي بمكانة كبرى كشريك في البطولات. ولم تقتصر هذه الرمزية عند حدود الماضي، بل استُدعيت شخصية رستم زال في التاريخ المعاصر كأداة للمقاومة السياسية وشحذ الهمم؛ إذ توثق التقارير التاريخية لثورة آرارات الكردية (1927-1930) أن الجنرال العسكري إحسان نوري باشا كان يلقي خطاباته الحماسية في المقاتلين مستحضراً شجاعة وصمود رستم زال لرفع معنوياتهم في المعارك الجبلية، كما استخدم المفكر الكردي الشهير سعيد النورسي (بديع الزمان) الرمزية الأخلاقية لشخصية رستم للتدليل على عزة النفس ورفض الانكسار. وفي الختام، يبرز الفارق النفسي والتراجيدي الأعمق الذي جعل رستم التوأم الروحي لإنسان الكرد عبر التاريخ؛ فحياة رستم في الموروث الشعبي مليئة بالفقد والمآسي والصراعات المستمرة، من ولادته الأسطورية القيصرية بريشة طائر “السيمرغ”، مروراً بقتله لابنه “سهراب” وحفيده “برزو” بالخطأ في معارك تراجيدية حزينة، وصولاً إلى ميتته الدرامية غدراً على يد أخيه غير الشقيق “شغاد” الذي حفر له خندقاً مليئاً بالسكاكين والرماح المسمومة. ورغم أن المخطوطات تذكر هذا الموت الغادر، إلا أن البحث في الفلكلور الشفهي وأغاني الدنكبيج كشف عن ظاهرة مذهلة، وهي رفض الرواة غناء ليلة موت رستم؛ إذ يفضل الوعي الجماعي بقاء رستم زال حياً، متخفياً في مغارات الجبال الشاهقة، منتظراً اللحظة المناسبة للظهور ونصرة المظلومين، ليبقى هذا البطل الأسطوري دليلاً حياً ورمزاً أبدياً على خلود، واستمرارية، ومقاومة الثقافة والهوية الكردية التي لا تنحني أمام عواصف الزمن.