اليمن في جغرافيا المصالح… من مسقط إلى فيينا

✍🏻 مشتـاق هاشم العلوي

يتحضر العالم اليوم لتوقيع اتفاق إقليمي دولي يعيد رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة، يجمع واشنطن وطهران في مشهد يزدحم بالمصالح الكبرى ويتسابق فيه اللاعبون لحجز مقاعدهم حول طاولة التسويات. يبرز في هذا الزحام سؤال يقرع جدران الصمت اليمني، سؤال يبحث عن سر نجاح إيران في تحويل قرصنتها في مضيق هرمز إلى ورقة تفاوضية عالمية، وبقاء توقف تصدير النفط اليمني منذ أكتوبر عام 2022 ملفاً محلياً منسياً.

استطاعت طهران، بمكر سياسي وتسويق إعلامي لمظلومية مصطنعة، أن تقلب الرواية رأساً على عقب، محولة تهديدها للملاحة الدولية وتجفيفها لشرايين الاقتصاد العالمي إلى صرخة اختناق اقتصادي يبرر للعالم حصارها. اهتزت العواصم الأوروبية والخليجية خشية هذا التهديد وتداعت الدول لحماية مصالحها، ونجحت الأكاذيب في فرض نفسها على طاولة الكبار. وفي الوقت نفسه يظل الاستهداف الإرهابي الحوثي للموانئ النفطية اليمنية حبيس البيانات المكررة التي لا تصل إلى أذن تصغي في فيينا أو مسقط.

يكمن الفرق في وظيفة الجغرافيا السياسية التي يمارسها كل طرف؛ إيران تعيد إنتاج أزمة المنطقة كسلعة سياسية تباع وتشترى في أسواق التفاوض، ومن يمسكون بخيوط الشرعية اليمنية يعيدون إنتاج أزمة الدولة بأدوات قديمة، عاجزين عن تحويل الانهيار الاقتصادي إلى تهديد إقليمي يفرض نفسه على جدول الأعمال الدولي.

إن توقف تصدير النفط يمثل تجفيفاً متعمداً لشرايين الحياة في المحافظات المحررة، وانهياراً متسارعاً للعملة الوطنية حوّل الرواتب إلى أرقام كبيرة من الريالات بلا قيمة شرائية، وتسبب بعجز الحكومة عن تقديم أبسط مقومات العيش للناس.

يغرق اليمن في حصار الإهمال الذي يمارسه وكلاء إيران ضد ثروات اليمنيين، وتتقاعس السلطة الشرعية عن وضع هذا الوجع في سياقه العالمي. استقرار المنطقة لا يكتمل باتفاق يبرم في مسقط أو فيينا ما لم يعالج انهيار الدولة اليمنية الذي يغذي الفوضى وينتج الإرهاب. غياب هذا الصوت جعل اليمن يبدو هامشاً في اتفاقات الكبار، ركيزة غائبة في أمن إقليمي لا يستقيم بدون استقرارها الاقتصادي.

الاعتقاد بأن الاتفاقات الكبرى ستنصف اليمن دون وضع وجعه على الطاولة هو استمرار في إعادة إنتاج الأزمة بذاتها. العالم اليوم يتحرك بالمصالح المهددة، وإيران فهمت هذه القاعدة فحولت قرصنتها إلى مكسب تفاوضي. يحتاج اليمن اليوم إلى فهم أن مظلوميته الحقيقية لا تسمع إذا بقيت حبيسة جدران القصر الرئاسي، وأن الانهيار الاقتصادي في اليمن تهديد إقليمي يتمدد مع كل انقطاع للكهرباء ومع كل انهيار للعملة. ستظل هذه المظلومية وجعاً محلياً لا يحسب له حساب في جغرافيا المصالح الكبرى ما لم تجد من يسوقها بذكاء استراتيجي يخرجها من صمت البيانات إلى ضجيج الحقائق.

قد يعجبك ايضا