كلار… مدينة القلاع والمتاحف وذاكرة الأنفال الأليمة

 

حمدي العطار

 

رحلة مع فريق (لاماسو) السياحي إلى مدينة كلار

 

حين يصل الزائر إلى كلار يشعر أنه أمام مدينة تختزن طبقات متعددة من التاريخ والذاكرة والوجع الإنساني. فهي ليست مدينة هادئة على ضفاف نهر سيروان فحسب بل فضاء ثقافي وإنساني يحمل آثار الحضارات القديمة وشهادات المأساة الكوردية الحديثة لذلك جاءت رحلتنا مع فريق (لاماسو) أشبه برحلة لاكتشاف روح المكان أكثر من كونها زيارة سياحية عابرة.

 

قلعة شيروانة ايقونة كلار

 

كانت البداية من قلعة شيروانة التي تتوسط المدينة شامخة فوق تلة مطلة على نهر سيروان. وقد بدا المشهد أكثر سحراً حين زرناها ليلاً، إذ تتحول القلعة تحت الأضواء إلى لوحة معمارية آسرة حتى يمكن وصفها بأنها “أيقونة كلار” وذاكرتها البصرية الأبرز. شيدت القلعة في القرن التاسع عشر بأمر من الأمير الكوردي محمد باشا الجاف وتمتاز بطرازها المعماري الكوردي الذي يجمع بين الحصانة والجمال فيما تكشف سراديبها وأبراجها عن حقبة سياسية واجتماعية مهمة من تاريخ المنطقة.

 

ولم تكن القلعة مجرد أثر تاريخي صامت فداخلها يقبع متحف يضم مئات القطع الأثرية التي تستعيد تاريخ كرميان والمنطقة المحيطة بها من الجرار الفخارية القديمة إلى اللقى التي تعود إلى عصور ما قبل الإسلام ليصبح المكان شاهداً على تعاقب الحضارات فوق هذه الأرض.

 

متحف كرميان

 

بعد ذلك اتجهنا إلى متحف كرميان حيث يمتزج التاريخ القديم بالحديث، وتتحول الذاكرة إلى صور وأدوات ووثائق تحكي حياة الناس وتحولات المكان.

 

مواقع شهداء الانفال

 

غير أن أكثر المحطات تأثيراً في الرحلة كانت زيارة مواقع شهداء الأنفال وقراءة سورة الفاتحة على أرواح الضحايا الذين سقطوا في حملات الإبادة التي نفذها النظام العراقي السابق عام 1988.

 

رافقنا كاكا سالار فقي محمد مدير التخطيط السياحة والاثار افيكرميان وهو يشرح تفاصيل “خاتمة الأنفال” مستعيداً فصولاً مؤلمة من تاريخ المدينة حين تعرضت مناطق كرميان وكلار إلى حملات اعتقال وتهجير وقتل جماعي، إذ اقتيدت العائلات إلى سجن نقرة السلمان في الجنوب، قبل أن يدفن كثير منهم في المقابر الجماعية. وكان من ضمنها. اقرباء كاك سالار من بين تلك العائلات التي فقدت أبناءها، ومعظمهم من النساء والأطفال.

 

وقفنا أمام النصب التذكاري الذي يجسد معاناة أهالي الضحايا وانتظارهم الطويل لعودة أحبائهم من الأسر أو الموت. لم يكن المكان فقط نصب حجري بل ذاكرة مفتوحة على الألم العراقي كله ورسالة إنسانية ضد النسيان.

 

المقابر الرمزية وحجر الأساس للمتحف

كما زرنا المقابر الجماعية المرقمة من (1 ـ 4)، وشاهدنا المجسمات التي توثق مأساة الأطفال والنساء وكبار السن إضافة إلى حجر الأساس لمتحف شهداء الأنفال الذي تسعى إدارة كرميان إلى إنشائه لحفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق الجرائم التي تعرض لها المدنيون الكورد.

 

عبء الذاكرة

 

وتكشف هذه الزيارة أن كلار لا تختزن الجمال الطبيعي والتراثي فحسب، بل تحمل أيضاً عبء الذاكرة التاريخية. فالمدينة كانت إحدى أبرز مناطق المرحلة الثالثة من حملات الأنفال التي استهدفت كرميان في نيسان 1988، وهي حملات استخدمت فيها القوة المفرطة والأسلحة المحظورة وعمليات التهجير الجماعي، لتظل آثارها النفسية والاجتماعية حاضرة حتى اليوم.

 

متحف تراثي واسع الذاكرة

 

أما مسك الختام فكان زيارة متحف كلار التراثي الذي أسسه الباحث والمهتم بالتراث صلاح حاجي حمه فرج. هناك شعرنا أننا لا نزور متحفاً عادياً بل ندخل بيتاً عراقياً واسع الذاكرة. استقبلنا الرجل بحفاوة كبيرة، وراح يروي قصة تأسيس المتحف قبل أكثر من أربعين عاماً، حين باع محالّه الخاصة بصياغة الذهب ليكرّس حياته للحفاظ على تراث مدينته.

 

يضم المتحف مقتنيات متنوعة من التراث الكوردي والعراقي والإيراني والتركي، من أدوات زراعية وأوانٍ نحاسية وأسلحة تقليدية وعملات قديمة وأدوات نسيج وحياكة، ليصبح المكان أرشيفاً شعبياً لذاكرة المنطقة. وكان لافتاً حديثه الإنساني حين قال إن التراث لا يعرف الحدود، وإن هذه المقتنيات تمثل ذاكرة الشعوب كلها.

 

حاول صاحب المتحف أن يهدي فريق لاماسو بعض القطع التراثية، لكننا اعتذرنا تقديراً لقيمتها المعنوية لديه، فيما وعد بأن ينسج صورة لفريق لاماسو على سجادة تراثية ويرسلها إلى بغداد، في لفتة تعبّر عن كرم الإنسان الكوردي ووفائه لذاكرته ومدينته.

 

الخاتمة

 

لقد كشفت لنا هذه الرحلة أن كلار ليست مدينة عابرة في جغرافية كوردستان بل مدينة تجمع بين التاريخ والتراث والمأساة الإنسانية. ففيها تتجاور القلاع والمتاحف مع ذاكرة الأنفال، ويتحول المكان إلى درس حي عن قدرة الإنسان على حفظ ذاكرته ومقاومة النسيان عبر الثقافة والتراث والحب العميق للأرض.

قد يعجبك ايضا