التأخي / حبيب السالم
تتراكم إعلانات التراخيص، وغالبًا ما تُبرم صفقات فردية من قبل ناشرين كبار، مثل وكالة أسوشيتد برس الأميركية، وأكسل شبرينغرالألمانية، وبريسا ميديا الإسبانية، ولوموند الفرنسية. لكن الدعاوى القضائية تتزايد أيضا، وإن بوتيرة أبطأ، حيث تتهم شركات الأخبار المنصات باستخدام مواد محمية بحقوق الطبع والنشر دون إذن .
ومع ذلك، ظهر مؤخرا نهج ثالث: يتكاتف الناشرون للتفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي بدلاً من مواجهتها منفردين. ويتجلى هذا في مبادرات تتراوح بين تحالفات عالمية لوضع المعايير ومنظمات تفاوض وطنية .
في تقرير نشرته مؤسسة رويترز لدراسة الصحافة، سلطت الباحثة مارينا أدامي الضوء على هذه الجهود الجماعية، التي تتراوح بين وضع معايير تقنية مشتركة وإنشاء منظمات لإدارة الحقوق الجماعية. يرى الخبراء أن “العقد الضمني” للإنترنت -الذي كان يسمح باستخدام محدود للمحتوى مقابل إعادة توجيه الزيارات- قد انهار مع الذكاء الاصطناعي .
السياق برزت تحالفات كان أبرزها “إس.بي.يو.آر” (إستانداردز فور بابليشر يوزج رايتس)، الذي أسسه ناشرون بريطانيون كبار مثل بي.بي.سي وفايننشيال تايمز والغارديان .
تشير أبحاث المعهد لعام 2025 إلى أن المستخدمين يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات أكثر من إنتاج المحتوى. ولا يزال الاستخدام المباشر للأخبار محدودا، إلا أن استفسارات يومية -من نصائح السفر إلى الأحداث العالمية- تحل محل عمليات البحث التقليدية على غوغل، مما يقلل من حركة المرور والإيرادات الإعلانية .
وأدى إطلاق “نظرة عامة بالذكاء الاصطناعي” من غوغل في مايو 2024 إلى زيادة نتائج البحث التي لا تتطلب النقر على المواقع، وفق بيانات سميلارويب الأميركية .
ويؤكد بحث المعهد أن ثلث المستخدمين فقط ينقرون بانتظام على الروابط المصدرية في إجابات الذكاء الاصطناعي، بينما 28 في المئة نادرا ما يفعلون ذلك أو لا يفعلون .
ويقارن ديفيد باتل، المستشار السابق في فايننشيال تايمز، الوضع بصناعة الموسيقى التي نجحت في حماية حقوقها. ويشدد على ضرورة الانتقال من نموذج الوصول المسموح به إلى حماية أفضل للملكية الفكرية. ويرى أن الترخيص سيصبح مصدر إيرادات رئيسياً، لكن الناشر الفردي يبقى في موقف ضعيف أمام شركات الذكاء الاصطناعي ذات الموارد الهائلة
ويؤكد باتل أن الناشرين بحاجة ماسة إلى حماية ملكيتهم الفكرية بشكل أفضل، وعدم السماح باستخدام محتواهم لإنتاج منتجات جديدة تنافسهم وتسحب الجمهور منهم. وقال “يجب على الصناعة أن تنتقل من نموذج الوصول المسموح به -الذي كان يسهل تجاوز الجدران المدفوعة- إلى نموذج يحمي الملكية الفكرية بشكل أقوى بكثير” .
ويشدد باتل على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيجبر أصحاب الإعلام على اعتبار الترخيص مصدر إيرادات رئيسيا في المستقبل، وقد يؤثر هذا حتى على نموذج أعمالهم الأساسي (الاشتراكات والإعلانات) .
وفي هذا السياق برزت تحالفات كان أبرزها “إس.بي.يو.آر” (إستانداردز فور بابليشر يوزج رايتس)، الذي أسسه ناشرون بريطانيون كبار مثل بي.بي.سي وفايننشيال تايمز والغارديان، وانضمت إليه لاحقا ميدياهويس الأوروبية. يركز “إس.بي.يو.آر” على وضع معايير تقنية مشتركة وإطار ترخيصي لضمان تقييم عادل للصحافة، دون أن يكون منظمة ترخيص جماعي .
أما “ريلي سيمبل لايسنسينج كوليكتيف”، الذي أُطلق في سبتمبر 2025، فيقدم معيارا مفتوحا لشروط الوصول القابلة للقراءة آليا، يسمح للناشرين بتحديد شروط استخدام المحتوى بدقة. ويضم حوالي 1500 عضو، من بينهم الغارديان وأسوشيتد برس ويو.إس.إيه.توداي، ويهدف إلى تقديم ترخيص شامل لشركات الذكاء الاصطناعي مقابل سعر واحد .
في الدنمارك يمثل “دي.بي.سي.إم.أو” (دانيش برس بابليكيشنزكوليكتيف مانجمنت أورجانايزيشن) الذي أُسس عام 2021، كل الصناعة الإخبارية تقريبا بما في ذلك الإذاعة العامة. توسع دوره ليشمل الذكاء الاصطناعي بعد إطلاق شات جي.بي.تي حيث وقع اتفاقيات مؤقتة مع محركات بحث لترخيص المقتطفات، ويطور شراكات مع كلاودفلير وتولبيت، ووقع اتفاقا مع بروراتا لبناء تشات بوت دنماركي يعتمد على محتوى مرخص .
وقالت كارين روندي، الرئيسة التنفيذية لـ”دي.بي.سي.إم.أو” إن “هذا ليس فقط عن التعويض العادل، بل عن الديمقراطية والثقة والتنوع الثقافي”. ورفعت المنظمة دعوى قضائية ضد أوبن.إيه.آي في فبراير 2026، بعد فشل المفاوضات .
ويؤكد الخبراء أن الصحافة الناجحة ستعتمد على المحتوى البشري الأصيل: تحليلات، آراء، ومحتوى متعدد الوسائط. ورغم أن تجربة المستخدم قد تتحسن، إلا أن السؤال المفتوح يبقى: هل ستحافظ هذه النماذج على الصحافة ذات المصلحة العامة والنظام المعلوماتي الموثوق؟
يبدو أن التحالفات الجماعية -سواء كانت عالمية أو وطنية- تمثل الطريق الثالث بين “التوقيع” و”رفع قضايا”، محاولة إعادة رسم توازن القوى بين الصحافة وعمالقة التكنولوجيا .