إعداد – التآخي
هذا الموضوع من أهم قضايا علم النفس الاجتماعي الحديث، اذ نعيش في عصر يطلق عليه أحيانا “عصر الوحدة الجماعية”؛ فالمفارقة الكبرى هي أننا في المدن نعيش في ازدحام بشري، لكننا نفتقر إلى التواصل الإنساني العميق.
فكيف تسهم الطفرة العمرانية في تعزيز الشعور بالوحدة؟ تؤثر التخطيطات العمرانية الحديثة على السلوك الإنساني بطرق غير مباشرة ولكنها عميقة من ذلك انها تفكك المساحات المشتركة، اذ اتجه التخطيط الحديث نحو “الخصوصية المطلقة” (الأبراج السكنية، والشقق المغلقة)، مما ألغى الساحات والمجالس التي كانت تجمع السكان قديما، فأصبح الفرد يخرج من شقته إلى سيارته مباشرة من دون أي احتكاك اجتماعي. ولأن المدن الكبرى مليئة بالضجيج والمحفزات البصرية، فان هذا “التحفيز الزائد” يدفع الفرد لا إراديا إلى “الانكفاء” لحماية جهازه العصبي، مما يؤدي إلى تجاهل الآخرين كآلية دفاعية.
ان الطفرة العمرانية تتطلب مساحات جغرافية واسعة، مما يعني قضاء ساعات طويلة في التنقل. هذا “الاستنزاف الزمني” يقتل الرغبة في بناء أو صيانة العلاقات الاجتماعية بعد يوم عمل شاق، ويجري فقدان “الهوية المجتمعية”، ففي المدن الكبرى، تتغير التركيبة السكانية بسرعة، مما يمنع تكوّن روابط “الجيرة” الراسخة، فيشعر الفرد أنه غريب في حيّه الذي لا يعرف فيه أحدا.
الانكفاء الاجتماعي (Social Withdrawal) ليس مجرد “وحدة”، بل هو حالة من الانغلاق تؤدي إلى تداعيات نفسية وجسدية خطيرة من ذلك زيادة هرمونات التوتر اذ تشير الدراسات إلى أن الشعور المزمن بالوحدة يرفع مستويات الكورتيزول في الجسم، مما يؤثر على جودة النوم، ويضعف الجهاز المناعي على المدى الطويل. كما ان الانكفاء الطويل يجعل الدماغ “يصدأ” اجتماعيا، فيشعر الفرد بالارتباك أو القلق عند محاولة التفاعل مع الآخرين، مما يخلق حلقة مفرغة (أشعر بالوحدة ـ أخاف من التفاعل ـ أنكفئ أكثر ـ تزداد وحدتي).

ان الوحدة المزمنة هي واحدة من أقوى مؤشرات الإصابة بالاكتئاب السريري. الفرد المنكفئ يفتقر إلى “مرآة الآخرين” التي تساعده في معالجة مشاعره وتجاوز صدمات الحياة، وان التفاعل الاجتماعي يحفز الدماغ على مستوى عالٍ. غياب هذا التفاعل يرتبط بزيادة مخاطر التدهور المعرفي لدى الفئات العمرية المختلفة.
هناك فارق جوهري بين “الخلوة” (اختيارية ومريحة) وبين “الوحدة” (مفروضة ومؤلمة). في المدن الكبرى، يتحول البشر إلى “أرقام” أو “كتل متحركة” في نظر بعضهم البعض. تصبح العلاقات “وظيفية” أو “سطحية” (زملاء عمل، بائعين) وتفتقر إلى الدفء العاطفي الذي يحتاجه الإنسان ليعرف أنه “مرئي” ومقدر من الآخرين.
إن المدن الحديثة، برغم ما توفره من رفاهية، قد صممت لتكون “مراكز إنتاج واستهلاك” لا “مراكز تواصل إنساني”. الحل لا يكمن في الهرب من المدينة، بل في خلق “مجتمعات صغيرة في داخل المدينة”؛ أي إعادة إحياء الروابط المحلية، والمشاركة في الأنشطة التطوعية أو الرياضية التي تكسر حالة الانكفاء الجغرافي والنفسي.
فهل أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذا الانكفاء في المدن، أم أنها كانت “طوق النجاة” الوحيد الذي أبقى على بعض الروابط الإنسانية في ظل عزلة المدن؟ فيما يتعلق بالعلاقات السليمة بين الأفراد المبنية على الاحترام والمشتركات الثقافية والاجتماعية، حافظت وسائل التواصل على نوع من الاستمرارية المطلوبة لإدامة الوشائج الانسانية بمستوى مقبول نسبيا؛ ومن الجهة الأخرى فإن غياب الأجواء الحقيقية والمكان (الفيزيائي) للقاء في الفضاء الواقعي الرحب، لا يمكن أن يعوض بتواصل عن طريق المحادثات خلف الجدران المغلقة في الفضاء الإلكتروني. فتحول الفضاء الرقمي إلى “بديل وظيفي” للعلاقات، لكنه فشل تماما في أن يكون “بديلا وجوديا” لها.
الفضاء الرقمي يمنحنا “شعورا بالاستمرارية”، فنحن نعرف أخبار الأصدقاء ونرى صورهم، مما يوهم الدماغ بأننا على تواصل معهم. هذا “التواصل البصري والمعلوماتي” يخدع مراكز المكافأة في الدماغ، فيعطينا جرعات صغيرة من الرضا الاجتماعي تمنعنا من الشعور بالحاجة الملحة للبحث عن لقاءات حقيقية، لكنها في الوقت ذاته لا تفرز هرمونات مثل “الأوكسيتوسين” (هرمون الترابط) الذي لا يفرز إلا بوساطة اللقاء الفيزيائي والاتصال الجسدي أو التواجد في نفس المكان والزمان.
وفي الواقع، كانت اللقاءات تجري بشكل “عفوي” (في الممرات، والساحات، أو من خلال الجيرة). في العالم الرقمي، أصبح اللقاء “مجدولا” أو “مقصودا”. فقدان العفوية يعني فقدان الجزء الأكثر حيوية في العلاقات؛ حيث اللقاءات غير المخطط لها هي التي تبني الذكريات وتعمق الألفة. خلف الجدران المغلقة، نتحكم في “صورنا” وفي “كلماتنا”، مما يجعل التواصل “مُعقما” من تلقائية التفاعل البشري المباشر.
المكان وعاء للذاكرة والمشاعر
المكان (الفيزيائي) ليس مجرد مساحة هندسية، بل هو وعاء للذاكرة. اللقاء في مقهى، حديقة، أو منزل ليس فقط تبادلا للكلمات، بل هو “تجربة حسية” مشتركة (رائحة المكان، درجة الحرارة، الإيماءات غير المنطوقة). عندما نلتقي خلف الشاشات، نفقد هذه “الأرضية المشتركة”، ويتحول الآخر إلى “أيقونة” أو “نص”، مما يسهل عملية “التشييء” (تحويل الإنسان إلى شيء) ويجعل العلاقات قابلة للقطع بضغطة زر.
نحن نعيش الآن في مفارقة مفادها أننا “أكثر اتصالا من أي وقت مضى، وأكثر وحدة من أي وقت مضى”. الحل يتمثل بضرورة “إعادة استرداد المكان”. إن استعادة الصحة النفسية في المدن الحديثة تتطلب منا أن نخرج من “جدراننا المغلقة” إلى “فضاءاتنا المفتوحة”، ليس فقط كأجساد تتحرك، بل كأفراد يبحثون عن “حيز حيوي” للتواصل الإنساني الحقيقي.
فهل أن العودة إلى “المساحات الثالثة” (الأماكن التي ليست منزلا ولا عملا، كالمقاهي الثقافية، الأندية المجتمعية، و الساحات العامة، ودور السينما، وغيرها) ما تزال ممكنة كحلٍ عملي لمواجهة هذا الانكفاء، أم أن نمط الحياة المدني المتسارع قد جعل هذه المساحات مجرد “تراث” يصعب إحياءه؟
لطالما كان لتلك الأماكن الحقيقية دور في رسم طبيعة الحياة والتأثير في المجتمع البشري بوساطة التفاعل المباشر، وبرغم أن مساحات اللقاءات العامة الفعلية انحسرت كثيرا وظلت في كثير من الأحيان مقصورة على لقاءات عامة سريعة، مثلما يحدث لدينا في شارع المتنبي ببغداد مثلا أيام الجمع؛ لكن من الممكن وفي أثناء التخطيط العمراني لإنشاء المدن الحديثة، التخطيط أيضا لإقامة المرافق الاجتماعية والثقافية مثل صالات القراءة والمقاهي الثقافية والاجتماعية والنوادي الفنية ولرياضية، وغيرها، ضمن تخطيط المجمعات السكنية الحديثة….فنحن نعاني ما يسمى “الجرح التخطيطي” للمدن المعاصرة؛ اذ غالبا ما نخطط للمدن كـ “مساكن” للنوم و “شوارع” للحركة، وننسى أنها يجب أن تكون “حواضن” للحياة.
مجريات شارع المتنبي تعطينا دليلا حيا على أن الإنسان العراقي (والإنسان عامة) ما يزال يتوق إلى “نقطة جذب اجتماعية” (Social Hub)، وأن هذه الحاجة فطرية لم تمت، بل هي محبوسة تنتظر “الوعاء التخطيطي” الصحيح.
لتحويل هذه الرؤية إلى “استراتيجية عمل” عند التخطيط للعمران الجديد أو حتى إعادة تأهيل الأحياء القائمة، يمكننا التركيز على مفاهيم تخطيطية حديثة تتبنى هذا التوجه، من ذلك مفهوم “مدينة الـ 15 دقيقة”، هذا النموذج التخطيطي الحديث يهدف إلى أن يكون كل ما يحتاجه الفرد (عمل، تسوق، ترفيه، مساحات ثقافية) على بعد 15 دقيقة سيرا على الأقدام أو بالدراجة من منزله، وبذلك تدمج المرافق الثقافية (المكتبات المجتمعية، الأندية الفنية) في قلب المجمعات السكنية وليس في أطراف المدينة أو مراكزها التجارية فقط. عندما تكون هذه المرافق جزءا من “المسار اليومي” للفرد، تتحول من وجهة “مقصودة” إلى جزء من “الروتين العفوي”.

وهناك طريقة التخطيط المرن للمساحات المشتركة (Adaptive Reuse) فبدلا من بناء مرافق جامدة، يجب التخطيط لمساحات قابلة للتحول، تطبق بإنشاء “ساحات متعددة الأغراض” ضمن المجمعات السكنية؛ يمكن أن تكون معرضا للفن صباحا، مكانا للقراءة ظهرا، وساحة للحوارات والنشاطات المجتمعية مساء. هذا يضمن حيوية المكان على مدار الساعة ويمنع تحوله إلى “أرض قاحلة” بعد ساعات العمل. وهناك أسلوب تعزيز “المساحات البينية” (Interstitial Spaces)، فغالبا ما يجري إهدار المساحات المحصورة بين العمارات السكنية في التخطيط الحديث. يجري التطبيق باستثمار هذه المساحات لإنشاء حدائق صغيرة أو مساحات جلوس شبه عامة مصممة بطريقة تحفز على الحوار. وكذلك التخطيط الذي يفرض “التلاقي” (مثلا عبر توجيه مداخل العمارات نحو مساحة خضراء مشتركة بدلا من الشارع العام) يجبر الأفراد على التفاعل العابر الذي قد يتحول لاحقا إلى علاقة اجتماعية.
ان حماية “المساحات الثقافية” من الاستثمار التجاري يجب ان يكون في صلب الولويات، اذ ان أكبر تحدٍ يواجه المقاهي الثقافية أو صالات القراءة هو “الجدوى الاقتصادية” التي تجعلها تتحول إلى مطاعم تجارية صاخبة. وهنا يكون الدور البلدي أو المجتمعي جوهريا، عن طريق دعم هذه المساحات عبر تشريعات تحمي طبيعتها الثقافية أو توفير إعفاءات ضريبية لها، لتظل “ملاذا” وليس فقط “مرفقا استهلاكيا”.
دروس من المتنبي
إن تجربة شارع المتنبي في بغداد تثبت أن “المحتوى” هو الذي يصنع “المكان”. إذا كان التخطيط العمراني يوفر “القشرة” (المبنى)، فإن المجتمع يملأها بـ “الجوهر” (النشاط الثقافي). لذا، يجب أن تُبنى المجمعات السكنية مع مساحات “خام” تترك حرية تفعيلها وتطويرها للساكنين أنفسهم، بدلا من فرض مرافق لا تناسب احتياجاتهم.
ان نقص الإرادة السياسية يشكل عاملا حاسما في تغييب الروح الاجتماعية والثقافية للمدن المنشأة حديثا، وايضا يتواجد جهل لدى كثير من الناس بأهمية الفضاءات العامة المشتركة في تحقيق الاستقرار النفسي والوصول إلى حياة عامة تليق ببني البشر، فالأزمة مزدوجة: غياب الإرادة التخطيطية (المؤسساتية) يقابله غياب الوعي المجتمعي بـ “حق المدينة”؛ هذا التلاقي بين استعلاء السلطة (التي ترى في المدينة مجرد كتل إسمنتية لإيواء السكان، وبين سلبية الفرد (الذي يرى في منزله قلعته الوحيدة) هو الذي أنتج مدننا الحديثة كـ “سجون مفتوحة” أو “مهاجع للنوم”.
لنتأمل في هذين الجانبين، الإرادة السياسية حولت المدينة إلى “سلعة” لا “بيئة”، و السياسة العمرانية في كثير من الدول، وبخاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والنمو السكاني المتسارع، مالت نحو “تجارية الفضاء”. و الإرادة السياسية غالبا ما تنظر إلى الأراضي بصفتها أصولا استثمارية، لذا، يجري استغلال كل متر مربع لبناء وحدات سكنية أو مراكز تجارية تدر عوائد سريعة، فيما تهمل “الفراغات” (الحدائق، الساحات، المراكز الثقافية) لأنها لا تدر ربحا مباشرا في الميزانيات الورقية. الإرادة السياسية المهيمنة تفضل -عن قصد أو غير قصد- تفتيت المجتمع إلى وحدات صغيرة منعزلة (مجمعات سكنية مسورة)، لأن المجتمع المنعزل أسهل في الضبط وأقل قدرة على التنظيم والمطالبة الجماعية بحقوقه، كما ان “الجهل بالحقوق” يشكل قيدا إضافيا، و هنا تكمن المأساة؛ فكثير من السكان الذين عاشوا عقودا في ظل أنظمة تعسفية أو في مدن مهملة، فقدوا “البوصلة المدنية”، و أصبح مفهوم “البيت” هو الحصن الوحيد، في حين ينظر إلى “العام” (الشارع، الحديقة، الرصيف) على أنه شيء لا يملكه أحد، وبالنتيجة لا مسؤولية لأحد تجاهه.
ان الخوف الأمني الذي ساد لسنوات دفع الأفراد لتفضيل “الأسوار العالية” على “الساحات العامة”. صار الأمان مرادفا للخصوصية والانغلاق، وليس مرادفا للاندماج الاجتماعي الذي يوفر حماية طبيعية للمكان عبر “العيون في الشوارع” (مفهوم الصحفية والناشطة الأميركية جين جاكوبس بشأن الأمان في المدن).

الحل لا يمكن أن يبدأ من “فوق” فقط، لأن السلطة غالبا ما تتحرك تحت ضغط الشارع. بنا حاجة إلى “حركة نقدية مدنية” و ثقافة “الحق في المدينة” بإعادة تعريف المدينة في العقول ليس كخدمات (ماء وكهرباء) فقط، بل كحق في الاجتماع، وحق في التعبير، وحق في الفضاء الجمالي. وبدلا من انتظار الإرادة السياسية الكبرى، يمكن لمبادرات صغيرة – مثل تلك التي نراها في شارع المتنبي أو المبادرات الثقافية الفردية ومن ذلك المعارض التشكيلية والعروض المسرحية- أن تفرض واقعا جديدا. وعندما يرى الناس جمال وقيمة الفضاء العام، يبدؤون بمطالبة السلطة بتوفيره في مناطقهم. ويتوجب دمج مفاهيم “علم الاجتماع العمراني” في مناهج التربية الوطنية. يجب أن يعرف الطالب أن الرصيف والساحة العامة هما جزء من “بيته الكبير”.
إن الانكفاء الذي نراه هو نتيجة “تغريب” ممنهج للإنسان عن مكانه، وان استعادة الروح للمدن تتطلب إرادة سياسية تدرك أن “استقرار النفس البشرية” هو أمن وطني، ووعيا مجتمعيا يدرك أن “الفضاء العام” هو الرئة التي نتنفس بوساطتها كبشر. والامر بحاجة الى “كتلة حرجة” من النخب المثقفة والمخططين العمرانيين لتبني ميثاق أخلاقي للمدينة، كما يستدعي الأمر ضغطا شعبيا قاعديا يفرض على البلديات إعادة النظر في أولوياتها.