المعادلة السيادية… مسرور بارزاني يحمل أوراق الشراكة والحلول التنموية لبغداد

فينوس بابان

تقف منطقة الشرق الأوسط في هذه اللحظات التاريخية الحرجة على فوهة بركان جيوسياسي غير مسبوق، حيث تتسارع الأنفاس والدبلوماسية الهاتفية بين عواصم القرار وتتزايد التسريبات الاستخباراتية الدولية عن ضربات عسكرية وشيكة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. وفي قلب هذا الإعصار الإقليمي يحمل التوجه الدبلوماسي لرئيس حكومة إقليم كوردستان صاحب الرؤية الاستراتيجية والقيادي المحنك السيد مسرور بارزاني إلى العاصمة الاتحادية بغداد اليوم السبت دلالات أعمق بكثير من مجرد زيارة بروتوكولية أو وفد تفاوضي تقليدي، إنها خطوة مهندس السياسات الذي لا يذهب ليطالب بحقوق أو يستجدي موازنات بل يذهب حاملًا حزمة إنقاذ وطني شامل ورؤية سيادية متكاملة لانتشال الدولة العراقية بأكملها من أزماتها الهيكلية. إن حضور رئيس حكومة الإقليم بوزنه السياسي والأمني المتزن في بغداد يمثل اليوم طوق النجاة لحكومة السيد علي الزيدي الاتحادية وبداية لعهد جديد ينقل العلاقة بين المركز والإقليم من الندية المتوترة إلى التكامل الوطني المستدام مستنداً إلى ثقل أربيل كعاصمة للاستقرار التنموي والدبلوماسي واليد التي تمتد بصدق لتجعل من كل محافظة وزاوية في العراق مشرقة ومزدهرة كما أشرق إقليم كوردستان بمدنه وضواحيه.
​ويتجلى هذا الثقل الدبلوماسي والسياسي لرئيس حكومة الإقليم في التناغُم القيادي عالي المستوى داخل كوردستان حيث أعقبت هذه الزيارة اتصالات استباقية ومكثفة مع عواصم المنطقة ولا سيما طهران لتعزيز أمن الحدود وتهدئة الأوضاع وهو الحراك الذي يعكس نجاح كوردستان في ترسيخ مكانتها كعاصمة للقرار الاستراتيجي الحكيم مما يتيح لسيد مسرور بارزاني صياغة مواقف سيادية صلبة في بغداد تطالب بتفعيل الركائز الست الدستورية للتشكيلة الوزارية التاسعة كحزمة إنقاذ متكاملة. وتأتي في مقدمة هذه الركائز صياغة مقاربة أمنية ودفاعية مشتركة تدمج قوات البيشمركة في المنظومة الاتحادية وتضمن حماية جوية صارمة للأجواء منطلقاً من رؤية واقعية تثبت أن تأمين سماء أربيل هو الضمانة الأسمى لحماية المنشآت الاقتصادية وممرات الطاقة التي ترفد الموازنة العامة للدولة بنحو نصف مليون برميل يومياً من النفط والغاز مما يجعل استقرار كوردستان ركيزة لا غنى عنها لإنعاش الاقتصاد العراقي ككل وتجنيبه التضخم والانهيار.
​وهنا يبرز البُعد الأكثر عمقاً في فكر رئيس حكومة إقليم كوردستان الاستراتيجي وهو ربط حراك اليوم بإرث كوردستان التحرري وحقها الوجودي، فالكابينة التاسعة أثبتت عبر حوكمتها الصارمة أن الاستقلال الحقيقي وحماية الكيان السيادي للإقليم كوردستان لا يتحققان بالشعارات بل يمرّان حتماً عبر بوابة الاستقلال المؤسساتي والاقتصادي الناجز، لقد نجحت أربيل في تحصين كيانها الدستوري من خلال تصفير الديون الداخلية وبناء بنية تحتية رقمية وخدمية مستقلة جعلت منها شريكاً مكافئاً لبغداد وليس تابعاً لها، ومن هذا المنطلق الصَلب يتحرك رئيس الحكومة في العاصمة الاتحادية ليس للاندماج في منظومة إدارية تعاني من الترهل بل لفرض واقع جديد يعامل إقليم كوردستان ككيان سيادي مؤسساتي مستقر استطاع تحويل عناصر قوته الذاتية إلى مصدّات حماية تحمي الفيدرالية من محاولات الالتفاف أو التراجع.

​ولم يعد دور إقليم كوردستان محصوراً في حماية خصوصيته الدستورية واستقلاله المؤسساتي بل أصبح يمثل منارة تنموية رائدة ومركز جذب وطني يتطلع الشارع العراقي والنخب الأكاديمية والمهنية في بغداد والمحافظات الجنوبية إلى محاكاتها والاستفادة من خبراتها المتراكمة، إن التشكيلة التاسعة تقف اليوم مستعدة لتصدير الأيقونة التنموية الناجحة والنموذج القيادي الفريد الذي حققته على الأرض ليشمل كافة المحافظات والضواحي العراقية رغبةً في صهر الفوارق المعيشية ليكون المواطن في البصرة والأنبار وبغداد متمتعاً بذات مستويات الرفاهية والأمن والكرامة التي ينعم بها المواطن في أربيل ودهوك والسليمانية، ويبرز في هذا السياق قطاع الطاقة عبر مشروع روناكي هذا الإنجاز التكنوقراطي الشامل الذي نجح في توفير الكهرباء للمواطنين على مدار أربع وعشرين ساعة ويُطرح اليوم كمدرسة مؤسسية جاهزة لإنهاء الأزمة الأزلية التي تستنزف ثروات العراق، يضاف إلى ذلك قطاع الحوكمة الرقمية من خلال نظام الأتمتة والمشاريع المصرفية المتطورة مثل مشروع حسابي وE-Psule والتي تمنح الحل الأمثل لتصفير الفساد الإداري وضمان الصرف التلقائي والمستدام لرواتب شهر أيار الحالي وما يليه دون تسييس أو مماطلة، كما تبرز التجربة التاريخية الناجحة للكابينة التاسعة منذ عام 2019 في تأمين الأمن الغذائي وحماية حقوق الفلاحين كمرتكز أساسي لحسم مستحقات تسويق محاصيل القمح الحالية لعام 2026 وتصفير متبقيات الأعوام السابقة (كـ 183 مليار دينار لعام 2025) حفظاً لعرق المزارع العراقي بعيداً عن كاهل البيروقراطية، إن تفتيت العوائق الذهنية والسياسية التي اختلقتها بعض الأطراف الحاكمة في العاصمة بات يتطلب تبني هذا الفكر المؤسسي المتقدم وحسم الملفات المعلقة وفقاً للمادتين 111 و112 لتنظيم قطاع الثروات وتفعيل المادة 140 لإحلال السلم الأهلي وصولاً إلى تلبية استحقاقات العدالة الانتقالية وجبر ضرر عوائل الشهداء وضحايا الأنفال بموجب المادة 132 من الدستور.
​ يبرهن هذا التحليل السياسي والدبلوماسي المعمق أن زيارة رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني إلى بغداد والتي تنطلق اليوم تمثل خطوة استراتيجية نحو صياغة مستقبل مبني على الشراكة الحقيقية والتكامل الوطني، وتأتي هذه الزيارة مدعومة بواقع مؤسسي وخدمي ملموس في أربيل وتفاعل شعبي إيجابي يعكس الرغبة المشتركة في تحقيق الاستقرار الشامل والنهوض بجميع القطاعات الحيوية في البلا. وتأسيساً على هذا المشهد بالغ الأهمية فإن المخرجات المرتقبة لهذه الاجتماعات الرفيعة في العاصمة الاتحادية ستقدم قراءة جوهرية حول آفاق المرحلة المقبلة ومدى الالتزام بالعهد والميثاق الأسمى للدولة والوفاء بالبند الأول والأساسي من الدستور العراقي الذي ينص بوضوح على أن: جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ديمقراطي وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق. ومن هذا المنطلق الدستوري الراسخ يتجلى بوضوح أن وحدة العراق وسيادته تتطلبان التزاماً تبادلياً ومقدساً يبدأ بالاحترام المطلق للكيان الدستوري لإقليم كوردستان وضمان الصرف المنتظم والمستدام للمستحقات المالية والمعيشية للمواطنين وإبعاد قوت الشعب عن ميادين التجاذبات السياسية، إن بغداد اليوم أمام فرصة تاريخية واستراتيجية لتعزيز التنسيق والتعاون الكامل مع الرؤية الشاملة التي يطرحها رئيس حكومة الإقليم للدخول في مرحلة جديدة من التكامل والنهوض الجماعي مستلهمين من تجربة أربيل المؤسسية والخدمية ما يدعم استقرار الاقتصاد السيادي للعراق ويقيه التبعات الكارثية للأزمات الداخلية والإقليمية، لقد قُدمت الرؤية الدبلوماسية كاملة ورسمت أربيل خارطة طريق واضحة لبناء مستقبل مستقر ومزدهر لجميع العراقيين.

قد يعجبك ايضا