حكاية صورة

إبراهيم خليل إبراهيم

هذه صورة رخصة الطيران لطفية النادي ونقول لمن لايعرف أن لطفية النادي من مواليد 29 أكتوبر عام 1907 وكان والدها يعمل بالمطبعة الأميرية وكان يرى أن الدراسة للبنت يجب ألا تتعدى بالمرحلة الابتدائية بعكس الأم التي رأت أن تعليم الفتاة ضرورة حتى نهاية المطاف وعندما التحقت لطفية بالأمريكان كولدج قرأت في يوم من الأيام عن الطيران وتشجيع الفتاة المصرية لدخول هذا المجال وكانت مدرسة الطيران وقتها في أوائل نشأتها عام 1932 وكل الذي يلتحق بها من الرجال فقط ففكرت لطفية لماذا لا تلتحق بالدراسة فيها ؟
رفض والد لطفية أفكارها لتعلم الطيران ولم تكن تملك نقودًا وبإصرار وبحث عن البدائل لجأت إلى كمال علوي مدير عام مصر للطيران آنذاك وعندها فكّر بالأمر وطلب منها أن تعمل في مدرسة الطيران وبمرتب الوظيفة يمكنها سداد المصروفات وافقت لطفية على ذلك وعملت سكرتيرة بمدرسة الطيران وكانت تحضر دروس الطيران مرتين أسبوعيًا دون علم والدها، تعلمت الطيران مع زملاء لها على يد مدربين مصريين وإنجليز في مطار ألماظة بمصر الجديدة وكانت الشابة الوحيدة بينهم وحظيت باحترامهم وتقديرهم وفي الوقت نفسه كانت تعمل في المطار بغرض الحصول على المال لتمويل تعلمها الطيران
لجأت لطفية إلى الكاتب الصحفي أحمد الصاوي صاحب العمود الصحفي الشهير ما قل ودل والذي كان ينشر بجريدة الأهرام وقالت له : عاوزة اتعلم طيران .
كان رد الصاوي : أنت لسه صغيرة ولازم موافقة أهلك
وما كان منها إلا أن أحضرت والدتها وقالت الوالدة : إن التحاق لطفية مشروط بعدم دفع مليم واحد للدراسة لأن والدها إن علم بالأمر أو حدث لها أي مكروه سيقول أنت اللي قتلتيها
توجت مجهودات لطفية بحصولها على إجازة الطيران عام 1933 وكان رقمها 34 أي لم يتخرج قبلها على مستوى المملكة المصرية سوى 33 طيارًا فقط جميعهم من الرجال وكانت بذلك أول فتاة مصرية عربية أفريقية تحصل على هذه الإجازة عملت لطفية سكرتيرة بمدرسة الطيران وكانت تحضر دروس الطيران مرتين أسبوعيًا دون علم والدها إلى أن حصلت على إجازة طيار أ مدرب بتاريخ 27 سبتمبر 1933 وكان عمرها 26 ربيعًا لتحقق بذلك حلمها بالطيران بمفردها ونشرت الصحف هذا الخبر مع صور تم التقاطها لها مما أثار غضب والدها وحتى تقوم بإرضاء والدها اصطحبته معها في الطائرة وحلقت به فوق القاهرة والأهرامات عدة مرات ولما رأى جرأتها وشجاعتها ما لبث أن أصبح أكبر المشجعين لها وكان مدرسها ومعلمها كارول الفرنسي يعاملها كالطفلة وقالت عنه : كان يخاف على جدا وأضافت مقولته : مش عاوز نفسك تتكبر بعد ما أصبحت أول فتاة مصرية تتعلم الطيران لا تفعلي مثل إيمي جونسون التي تكبرت على والديها بعد ما أصبحت طيارة
في عامها السادس والعشرين كانت أول امرأة مصرية تقود طائرة بين القاهرة والإسكندرية وثاني امرأة في العالم تقود طائرة منفردة إذ تمكنت من الطيران بمفردها بعد ثلاث عشرة ساعة من الطيران المزدوج مع مستر كارول كبير معلمي الطيران بالمدرسة فتعلمت في 67 يوماً.وقد تلقت الصحافة الدعوة لحضور الاختبار العملي لأول طيارة كابتن مصرية في أكتوبر 1933
قام نادي الطيران بدعوة مؤتمر الطيران الدولي للانعقاد في مصر ليناقش أحوال الطيران وقوانينه ولوائحه ثم يقوم بامتحان مهارات الطيار ومدي كفاءته واشترك في هذا السباق 62 طيارًا من مختلف الجنسيات بطائراتهم الخاصة وكان منهم مصريان : أحمد سالم ومحمد صادق وشاركت لطفية في الجزء الثاني من سباق الطيران الدولي وهو سباق سرعة بين القاهرة والإسكندرية حيث بدأ السباق في 19 ديسمبر 1933 وخلال هذا السباق تربعت لطفية على طائرة من طراز جيت موث الخفيفة بمحرك واحد ومتوسط سرعة 100 ميل في الساعة وكانت أول من وصل إلى نقطة النهاية رغم وجود طائرات أكثر منها سرعة
فازت لطفية النادي بالمركز الأول في سباق الإسكندرية ولكن تعسف لجنة التحكيم التي كان معظمها إنجليز سحبوا منها النتيجة بحجة أن الطائرة لم تمر إلا على خيمة واحدة في المكان المحدد للعودة من الإسكندرية والموجود خيمتان وكان الملك فؤاد منتظرًا النتيجة ليحزن عندما عرف بعدم تأهلها وقال لها : هذه أول مرة يحدث في مصر هذا وأعطوها جائزة شرف قدرها 200 جنيهًا مصريًا
كذلك أرسلت لها هدى شعراوي برقية تهنئة تقول فيها : شرّفت وطنكِ ورفعت رأسنا وتوجت نهضتنا بتاج الفخر بارك الله فيكِ
تولت هدى شعراوي مشروع اكتتاب من أجل شراء طائرة خاصة للطفية لتكون سفيرة لبنات مصر في البلاد التي تمر بأجوائها أو تنزل بها وتبين للجميع مقدرة المرأة المصرية على خوض جميع المجالات وكانت قد فتحت الباب لبنات جنسها لخوض التجربة فلحقت بها دينا الصاوي وزهرة رجب ونفيسة الغمراوي ولندا مسعود أول معلمة طيران مصرية وبلانش فتوش وعزيزة محرم وعايدة تكلا وليلى مسعود وعائشة عبد المقصود وقدرية طليمات ثم أحجمت فتيات مصر عن الطيران بصفة نهائية فلم تدخل مجال الطيران فتاة مصرية منذ عام 1945 وهكذا توالت إنجازات كابتن لطفية أول كابتن طيار مصرية إلى أن تقاعدت عن الطيران وعينت بمنصب سكرتير عام نادي الطيران المصري بعدما ساهمت في تأسيسه وإدارته بكفاءة عالية إلى أن هاجرت إلى سويسرا
لطفية لم تتزوج قط وعاشت جزءًا كبيرًا من حياتها في سويسرا حيث منحت الجنسية السويسرية تكريمًا لها وفي عام 1996 تم إنتاج فيلم وثائقي تناول قصة كفاح لطفية النادي بعنوان الإقلاع من الرمل من إخراج وجيه جورج وفي هذا الفيلم سُئلت عن السبب الحقيقي وراء رغبتها في الطيران ؟ فقالت أنها كانت تريد أن تكون حرة وفي عام 1997 حصل الفيلم على الجائزة الأولى للمجلس الأعلى للثقافة في سويسرا وفي عام 2002 توفيت في القاهرة لطيفة النادي وفي عام 2014 احتفى جوجل في نسخته العربية بوضع صورتها على صفحته الرئيسية في ذكرى مولدها.

قد يعجبك ايضا