صفتان اندلسيتان

د . صباح ايليا القس

 

استوقفتني مسألتان وانا أقرأ واتابع طبيعة الحياة في الاندلس .. هذا العالم البعيد جغرافيا القريب نفسيا فما أن نسمع بالاندلس حتى تتوافد الى افكارنا الطبيعة الجميلة من خضرة ومياه فضلا عن ما تركه الاجداد من قصور ما تزال موضع اعجاب السائحين ونحن العرب تشغلنا الموشحات الاندلسية كما تشغلنا القدود الحلبية والمقامات والاطوار العراقية ..

الموسيقى الاندلسية والغناء الاندلسي لا بد انها جاءت من تلاقح الموسيقى الاسبانية مع الموسيقى العربية التي نقلها زرياب الموصلي الذي ترك دار الخلافة في الشرق وأسس الموسيقى العربية في الاندلس ..

نقول ان امراء الاندلس احتفلوا بهذا الموسيقي العبقري الذي جاءهم من المشرق وهم المعروفون بحب الغناء والسماع والرقص والسهرات وتذكر المصادر أن زرياب أضاف وترا جديدا لتوسيع السلم الموسيقي وفرض بعض القوانين والشروط في اختيار الاصوات والالحان ..

على الرغم من ان قرطبة حازت على اكبر عدد من المغنيين والمغنيات وشغلت الناس بما يقدمونه من جماليات الموسيقى الطربية والراقصة لكن الزمن لا يبقي شيئا على حاله اذ سرعان ما استحوذت اشبيلية على قيادة الموسيقى في الاندلس وصارت عاصمة الفن والثقافة .. ومن باب الطرافة في هذا الجانب يقال انه اذا مات أديب لامع في اشبيلية واراد أهله بيع كتبه جرى نقلها الى قرطبة واذا مات موسيقي واراد اهله بيع أدواته ومعازفه وآلاته نقلت الى اشبيلية وهذا القول يؤيد ويوثق محبة أهل اشبيلية للموسيقى .

جاء من شعر الغناء :

أذنبتُ ذنبا عظيما     فكيف منه اعتذاري

والله قدّر هــــــــــــــــــــــــــذا      ولم يكن باختياري

والعفو أحسن شيء    يكون عند اقتداري

وعلى قدر اهتمام الاندلسيين بالموسيقى كان اهتمامهم بالطرف والفكاهة والتندر .. ويكون للهجاء الذي يخلو من التجريح ويبتعد عن ما يخدش الحياء مكان في المداعبة والفكاهة وقد يطلق عليه بعض الادباء لقب الادب المملح الذي يعني اللطافة والممازحة وخفة الدم ..

يقال في هذا الجانب إن قاضي مدينة ( لوشة ) كان لا يصدر اي امر قضائي الا بعد أن يستعين بزوجته ولم يكن يعلم بهذا الامر سوى صديقه الذي كتب اليه ممازحا مشيرا الى ما يقوم به فقال :

بِلُوشةَ قاضٍ له زوجــــــــة      واحكامها في الورى ماضيةْ

فيا ليته لم يكن قاضيا       ويا ليتها كانت القاضيـــــــــــــــــــةْ

وفي العلوم البلاغية تؤدي كلمة القاضية معنيان ويسمى ذلك بالتورية اذ يكون المعنى الاول الظاهر ما يدل على القضاء اما المعنى المخفي فهو القاتلة .

وعندما عرض القاضي هذين البيتين على زوجته ردت بهذين البيتين معرضة بالصديق فقالت :

هو شيخُ سوءٍ مزدرى       له شيوبٌ عاصيةْ

كلّا فإنْ لم ينتــــــــــــــــــــــــــــــهِ         لنسفعاً بالناصيــــةْ

مزدرى = مكروه ، شيوب = شيخ كبير السن ، الناصية = مقدما الرأس ، نسفع = سحب مقدمة الرأس بقوة .

قد يعجبك ايضا