أ.د.خليل مصطفى عثمان
تتجاوز الذكريات التاريخية في حياة الشعوب طابع الاحتفاء البروتوكولي العابر، لتتحول إلى محطات استراتيجية للمراجعة الفكرية والسياسية، وقراءة مسارات بناء الدولة والمؤسسات. ومن هذا المنطلق، تأتي الذكرى الرابعة والثلاثون لإجراء أول انتخابات برلمانية في إقليم كوردستان، لتسلط الضوء مجدداً على طبيعة الكيان السياسي والقانوني للإقليم، والذي لم يكن يوماً وليد صدفة سياسية أو منحة جيو-سياسية عابرة، بل جاء نتاج هندسة وطنية شاقة قادتها الحركة التحررية الكوردستانية، وفي طليعتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كمحطة تاريخية حاسمة لنقل المجتمع من طور “الشرعية الثورية” إلى طور “الشرعية الدستورية والمؤسساتية” المستدامة.
إن القراءة الفكرية العميقة لتأسيس برلمان كوردستان تكشف عن جوهر العقد الاجتماعي الذي صاغه شعب كوردستان في لحظة تاريخية فارقة؛ حيث تحولت بموجبه الإرادة الشعبية الصرفة إلى المصدر الأعلى والوحيد للسلطة والتشريع. من هنا، يصبح الدفاع عن ديمومة هذا البرلمان وصون هيبته التزاماً يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والتنافس السياسي اليومي؛ إنه ذود مباشر عن الوجود القانوني والدستوري لإقليم كوردستان في إطار الدولة العراقية برمتها. هذا الكيان الدستوري، كما تذكرنا حقائق التاريخ، لم يُمنح هبةً، بل انتُزع انتزاعاً عبر عقود من النضال المرير، وعُمّد بأثمان باهظة من التضحيات وقوافل الشهداء، مما يجعل الحفاظ عليه واجباً وجودياً يقع على عاتق القوى السياسية كافة.
وفي المشهد السياسي الراهن، تكتسب المواقف الأخيرة الصادرة عن كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أهمية بالغة، لا سيما إعلانها الانفتاح الكامل والترحيب غير المشروط بكافة المبادرات الوطنية الرامية إلى إعادة تفعيل البرلمان ليمارس دوره الطبيعي والقانوني. هذا الموقف لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع الإقليمي؛ فالشرق الأوسط يمر اليوم بتحولات جيو-سياسية بالغة الحساسية والتعقيد، وعواصف التغيير المحيطة بالمنطقة تفرض على كوردستان، أكثر من أي وقت مضى، تحصين جبهته الداخلية وتوحيد خطابه السياسي.
إن تفعيل المؤسسة التشريعية والرقابية في هذا التوقيت بالذات يمثل ضرورة ثلاثية الأبعاد: هي ضرورة وطنية لتوحيد الرؤى في مواجهة التحديات الخارجية، وضرورة دستورية للحفاظ على التوازن القانوني ومبدأ الفصل بين السلطات، وضرورة مؤسساتية لتمكين البرلمان من رعاية المصالح العليا للإقليم وحماية حقوق المواطنين.
ختاماً، إن الوفاء لثوابت التأسيس يفرض استشرافاً حذراً وذكياً للمستقبل. وبينما تنحني الذاكرة الوطنية إجلالاً للأرواح الطاهرة لشهداء كوردستان الذين عبدوا بدمائهم طريق الحرية والمأسسة، يظل الثابت الفكري والسياسي الأبرز هو أن برلمان كوردستان يمثل المنجز التاريخي الأسمى للشعب. وبناءً عليه، فإن الالتزام بحماية فاعلية هذا الصرح الدستوري هو الضمانة الأكيدة ليبقى البرلمان الحصن المنيع للحقوق، والأداة السياسية الأرقى لخدمة إقليم كوردستان، وضمان استقراره وازدهاره وسط محيط متلاطم.