تزرين يعقوب سولا
في زمنٍ أصبحت فيه الخطابات السياسية تُنقل مباشرة إلى الناس، لم تعد اللغة مجرد وسيلة للكلام، بل أصبحت جزءًا من صورة المسؤول وهيبته وثقافته. فالكلمة التي تُقال أمام الشعب لا تمثل رأيًا فقط، بل تمثل مستوى الإعداد والوعي والاحترام للمستمع أيضًا.
ولذلك، فإن الأخطاء اللغوية التي ظهرت في الخطاب الأول لرئيس الوزراء الجديد أثارت انتباه كثيرين، ليس من باب التقليل أو السخرية، بل لأن المنصب الكبير يحتاج إلى لغة دقيقة وواضحة تليق بمكانة الدولة. فالمواطن قد يتجاوز خطأً عابرًا، لكنه يتوقف عند كثرة الأخطاء أو ضعف الصياغة، خاصة في خطاب يُفترض أنه يحمل رسائل طمأنة وثقة وبداية مرحلة جديدة.
وقد أثار الخطاب الأول لدى شريحة من الناس نوعًا من الخيبة وفقدان هيبة الدولة، ليس فقط بسبب الأخطاء اللغوية، بل أيضًا بسبب طريقة الإلقاء ولغة الجسد التي بدت، في نظر البعض، أقل من مستوى الثقة والحضور المتوقع من شخصية تتولى منصبًا سياديًا بهذا الحجم. فالحضور، ونبرة الصوت، والثبات، وطريقة النظر والتفاعل، كلها عناصر تترك أثرًا نفسيًا لدى الجمهور، وتؤثر في قوة الرسالة والانطباع العام.
قد يقول البعض إن اللغة ليست هي الأهم، وإن الأهم هو العمل والإنجاز والمحتوى الحقيقي، وهذا صحيح إلى حدٍّ كبير. لكن اللغة، بالنسبة للناطقين بها، تعكس أيضًا مستوى ثقافة الفرد، ومقدار مطالعاته، وطريقة تفكيره، وسعة وعيه، وحتى مرونته وفهمه في الإدارة والتواصل. فاللغة ليست زينة شكلية، بل مرآة للفكر وطريقة ترتيب الإنسان لأفكاره وإيصالها للآخرين.
وفي كثير من الدول، تُراجع خطابات المسؤولين من قبل مختصين لغويين وإعلاميين قبل إلقائها، لأنهم يدركون أن الخطاب الأول تحديدًا يترك الانطباع الأهم لدى الناس.
النقد هنا ليس موجّهًا للشخص بقدر ما هو دعوة للاهتمام باللغة والحضور والخطاب السياسي بوصفها جزءًا من احترام الجمهور وهيبة الدولة، فالكلمة الواثقة والصحيحة، حين تقترن بحضور قوي ومتزن، تصل أسرع، وتبقى أطول، وتصنع فرقًا كبيرًا في صورة القائد أمام شعبه.
إننا في المجال التربوي نُوجَّه الأستاذ دائمًا إلى التحضير المسبق والجيد لدرسه، ليس فقط من الناحية العلمية، بل أيضًا من جميع الجوانب اللغوية والأسلوبية، ليكون متمكنًا من إيصال الفكرة بثقة ووضوح، وليتجنب الإحراج أو اهتزاز صورته أمام طلبته. فالكلمة المرتبة والواثقة تمنح المتلقي شعورًا بالثقة والاحترام، بينما قد يؤدي الارتباك أو ضعف التعبير إلى إضعاف تأثير الرسالة مهما كانت الفكرة جيدة. وإذا كان هذا الأمر مطلوبًا من المعلّم داخل الصف، فهو بلا شك أكثر أهمية في الخطابات السياسية التي يتابعها شعب كامل وينتظر منها الطمأنينة والقوة والوضوح.
مشرفة تربوية