ازمات و رجال للازمات؟

 

فاضل ميراني*

حصر الحل بالرجال ليس بهدف ايقاع حيف على المرأة، فلهن دورهن التاريخي و المعاصر و المستقبلي في انجاح مسيرة المجتمع، سيما و ان الهينمة الرجولية في القرار هي عذر للمرأة عن خراب تسبب به غيرها في مناطق خراب القرار و سياسته.
عوامل كثيرة تسببت بخلق الازمات التي تخنق المجتمع، و هي عوامل متاقبلة متباينة في التقدم الذي يواجهه تراجع، منها ماهو ملاحظ بشكل واضح، حيث بدأت اسماء صناع القرار السياسي، تقل، و القرار اصبح صعب في الايجاد صعب في القبول و الطاعة، مقابل قرارات اسرع تولدها جماعة هي اقرب للمصالح الخاصة المغطاة منها للمصالح الكبرى العامة التي يمثلها نوع القادة الاخذ بالتناقص.
ليس معنى هذا انه اطراء على كل من هو يحمل لقب قائد، فهذه التسمية حرى السطو عليها من كثيرين. كما انه ايضا ليس ذما لكل مجموعة تنتج قرارا، اذ ان تشاركية الفكر و العمل هي صفة في كل الاعمال، لكن المهم هو الهدف و المستفيد.
لا حل لاي ازمة دون تشخيصها و الاعتراف بوجودها، و معرفة الاسباب التي اوجدتها، وايضا ليس من حلولها اللوم و الجزع، فليس كل مريح مفيد و العكس ايضا، انما لكل ازمة برنامج حل، وسقف قد ينهاز اذا طال و لم تسنده اعمدة من الاجراءات و الخطوات.
يعيش العراق ازمات متصلة و منفصلة و متحورة، و للاسف فهي لا تشهد اعترافا بها الا من باب دعاية خصم ضد خصم، فتنفجر وقت التخاصم و تختفي وقت تشابك المصالح، لكنها باقية، ببساطة لانها لم تدخل برامج الحل الناجحة.
هذا النوع السياسي الذي يفجر الحديث عن الازمة و يطفيه، هو للاسف صار منافسا للنوع السياسي الناجح الذي كان سائدا نوعا لا كما، كان سائدا بندرة مقبولة، و هذا النوع من سياسيي المصالح الخاصة هم وجه و جسم و اذرع و ارجل من ثمار دولة عميقة لا تقبل بالدولة الا بمفهومها الذي يخالف مفهوم الدولة الصحيح و المقبول في الاسرة الدولية.
قد يقول قائل او يرى ناقد ان الزعامات صانعة القرار قبلا هي نوع من الدولة العميقة ايضا، و الجواب نعم، لكن الحكم يكون على اساس جدولين احدهما للنجاحات و لماذا تحققت و للخسارات و لم وقعت.
منذ خرج العراق من التركة العثمانية الى دخوله دائرة الرعاية الامريكية، اي منذ بدأت بريطانيا عملياتها سنة ١٩١٤ ثم الى ١٩١٧ و ١٩١٨ ثم سنة الانتداب ١٩٢٠ و الى نيل الاستقلال سنة ١٩٣٢، وحتى ٢٠٠٣ و ما بين تلك الفترة من تبدلات داخل النظام و تبدل النظام نفسه، لم يُصار لمرحلة من التفكير خارج عين الفكرة القاصرة عن الحكم و بتفاوت بين قيادات العراق، لكنها لم تتعد نجاحا مفردا يجري تحطيمه بسب تبدل الولاءات التي تلي كل تغير نظام او تغير داخل نظام.
لقد شكلت مشكلة الهويات في العراق عاملا كبيرا في الازمات، فبوجود هويات تبحث عن حلول عادلة لوجودها، زحفت هويات للاستيلاء على القرار غير جادة في ايجاد حل بقدر جديتها في الهيمنة على القرار بأستخدام جلدها و متسترة بما يساعدها على ازاحة الاخرين لتنفرد بالمركز.
هذا الشغل خلق قوالب حياتية مؤذية، قد لا تكون بداياتها محسوسة الخطر، لكن استمراراها صنع منها امراضا يستعصي حلها.
لقد حاولت الفترة الملكية ان تستوعب العراقيين بهوياتهم و تسكينهم خارج مناطق توتر السياسة بحجة ان النظام جديد، نظام تأسيس لدولة وليدة، و جرى العمل على هوية عراقية تتفوق على العرق و الطائفة، مع تحفظ من الفكر السياسي المعارض لم يصل الى مرحلة من العنف مثل الذي وصل اليه النظام العسكري الجمهوري، حيث صار الرأي السياسي يتصدر اهتمام تقييم السلطة قبل الهوية العراقية الجامعة، ثم و مع مسير الانقلابات تشكلت ثلاثية الرأي المعارض و العرق المخالف و الطائفية العقائدية هي الفاصل الاول المفصلي قبل الهوية العراقية.
تفاعل السلطة مع مرتجعات مشروعها و فكرها و توجهها في الحكم اذى عوامل النمو الاجتماعي السليم، ولذا فليس مستغربا ان يتم اسقاط الجنسية عن مكون عواقي بأغلبه بحجة تبعية دولة اخرى، و ما يعنيه ذلك نفسيا و حياتيا على المكون و على علاقته مع باقي المجتمع، اذ صارت دواعي الاستيقاف و التوقيف و الاعتقال و المحاكمة و السجن او الاعدام او التسفير، اجراءات منظمة بقانون، وهي عملية مجرمة، لكن السلطة ترى فيها انها اجراء سليم يتوافق مع عقيدتها التي تغذيها بعرف سائد و ممارسة اسبق جرت عليها انظمة غيرها.
لو راجع اي باحث ملفات العلاقة بين بغداد السياسية و الادارية مع الكورد، سيرى ان قضايا الوقت الراهن المعلن عنها لا تتجاوز ملف رواتب موظفي الاقليم، و واردات المنافذ، قانون النفط و الغاز، المادة ١٤٠ من الدستور، تعويض ضحايا القتل الممنهج و ضحايا سياسات الاقصاء، وهي قضايا من ملف قضايا تعكس حقيقة السلطات السابقة و واقعها الذي كانت تغطيه بدعاية مكذوبة، مكذوبة في السلم و في الحرب و بشاعة افعالها.
[18/05/2026 05:31 م] جواد كاظم: لكن موع الفرد و الجماعة السابقين و ان مثلوا دولة عميقة، الا انها لم تكن مخفية، اذا ان لا جماعة تقف خلف رأس النظام، و رأس النظام ذاك كان هو مصدر القرار، وحتى مع معارضتنا له، الا انه لم يكن مخفيا و لا متواريا و لا منفذا لقرارات غيره، اي انه لم يكن واجهة للغير.
ولئن كان السابقون بنوا دولة، او بالادق اضافوا سيئا لمباني الدولة الوليدة الموروثة من النظام الملكي، فإن المفترض بعد ٢٠٠٣ ان يرمم المبنى القديم للدولة، بدل تخريبه كله، و بدل التحول الى واجهات لدولة عميقة، خفية الوجوه.
لسنا وحدنا الذين نعاني من ازمات العراق، قديمها المستمر و حديثها الذي سيستمر، ولكن من هم الرجال الذين سيفككون هذه الازمات؟
الازمات لا تفكك برئيس حكومة بلا برمامج اصلاح، برنامج لا يخلق شعوبا معزولة و شعبا اقل هم جمهور السلطة.
راجعوا الاداء الذي خلق تفاوتا كبيرا و خلق وعيا مشوها متباينا بين ابناء العراق بسبب سياسات تخلط و تنفذ برامج لا تفصل بين الحزبية و القيادية و الشأن العام و حدود التصرف و مطابقته للدستور من عدمه.
ان اي معتقد لا تقدم حصيلة عادلة، سيكون المشتغلون بموجبه المتشرعنون المشرعون بشرعيته موضع رفض.
ربما غابت المصادر الملهمة للسياسيين المصلحين او تراجعت، لكنها ليست فوزا مشرفا للمنافس الذي صعد صدفة او بخلطة خاطئة.
لكن العامل الاصعب الذي سيقى ينتج ازمات و يمنع ميلاد رجال لحلها، هو انتصار فئة سفهّت عقول اصحاب عقائد العدالة ممن اضافوا للعراق منجزات عمل لو استقرت و استمرت، لما كنا نعيش تراجع المواكبة.
خذوا اي عينة عشوائية من المجتمع و زنوها بمعيار ما عندها و ما هي ممنوعة منه ستعرفون المستفيد.

 

*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

قد يعجبك ايضا