كركوك خزّان للذاكرة الجمعية في مدونتي الروائية

عواد علي

تُعدّ المدينة في السرد الروائي أكثر من مجرد خلفية جغرافية تجري فيها الأحداث؛ فهي بنية دلالية وثقافية ونفسية، تنبض بالحياة، وتتحول إلى كائن حيّ يشارك الشخصيات صراعاتها وأحلامها وخيباتها.
في رواياتي (حليب المارينز، نخلة الواشنطونيا، حماقة ماركيز، جسر التفاحة، توأم البحر، وتمر قرنفلي) لا تحضر مدينة كركوك (أحيانًا باسمها القديم “أرابخا”) مدينةً ثابتة المعالم، بل فضاءً سرديًا متحركًا، متعدد الطبقات، ومشحونًا بالذاكرة والرمز والتاريخ، تتقاطع فيها بوصفها “حالة وجوديةً” الهويات، وتتداخل فيها الأزمنة، وتتشكل عبرها أسئلة الإنسان عن الانتماء والمعنى.
تظهر كركوك في مدونتي الروائية خزّانًا للذاكرة الجمعية، فأنا لم أكتفِ بوصف الشوارع والأحياء والأسواق، بل حمّلت المكان عبئًا زمنيًا، بحيث كاد يصبح كل حجر شاهدًا على حقبة، وكل زقاق حاملًا لأصوات غابت ولم تندثر. غير أن الذاكرة هنا ليست حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، بل أداة تفكيك واستعادة، تُستحضر من خلالها التحولات السياسية والاجتماعية التي مرّت بها المدينة.
تغدو كركوك، في هذا السياق، مرآةً للذاكرة الفردية أيضًا؛ فالشخصيات لا تتذكر المدينة فقط، بل تتذكر نفسها من خلالها. المكان يستدعي الطفولة، الصداقات الأولى، الخيبات المبكرة، وأحلام الهروب أو البقاء. وبهذا تتحول المدينة إلى وسيط بين الذات والعالم، وإلى سجلّ نفسيّ يدوّن تشكّل الهوية.
من أبرز ما ميّز فضاء كركوك الروائي لديّ طابعه التعددي، فالمدينة تاريخيًا وثقافيًا ملتقى أعراق ولغات وثقافات، وهذا التعدد انعكس في النص الروائي بوصفه بنيةً عميقةً في السرد. الشخصيات تنتمي إلى خلفيات مختلفة، واللغة تتلوّن، والعادات تتجاور، ما خلق حالةً من التوتر الخلّاق داخل النص.
لم أقدّم هذه التعددية دائمًا بوصفها انسجامًا مثاليًا، بل كثيرًا ما أظهرتها في شكل صراعات خفيةً أو علنيةً، ما منح رواياتي بعدًا دراميًا وفكريًا، وجعلها حلبة تفاعل، تُبرز هشاشة التعايش أحيانًا، وقوته أحيانًا أخرى. ومن خلال هذا التوتر، طرحت أسئلة الهوية والانتماء والاختلاف، من دون الوقوع في التبسيط أو الشعاراتية.
في كثير من المقاطع الروائية، جعلت كركوك تتصرف كما لو كانت شخصيةً قائمةً بذاتها، فهي تغضب، وتهدأ، وتضيق، وتتسع، وتخفي أسرارها أو تبوح بها. وفي اعتقادي أن هذا التشخيص للفضاء منح السرد حيويةً خاصةً، دفعت القارئ إلى الشعور بأن المدينة ليست مجرد إطار، بل طرف فاعل في الحدث.
الطقس، الضوء، الضجيج، الروائح، تفاصيل المقاهي والأسواق، كلها عناصر تتحول إلى أدوات تعبير نفسي. فعندما تشتد الأزمة على الشخصيات، تضيق المدينة وتصبح خانقةً؛ وعندما يلوح أمل، تنفتح شوارعها وتغدو أكثر رحابةً. ويكشف هذا التوازي بين الحالة النفسية للشخصيات وتلك العناصر عن وعي سردي بوظيفة الفضاء في بناء المعنى.
لا تظهر كركوك في بعض رواياتي مدينةً حاضرةً فقط، بل مدينةً متعددة الأزمنة. الماضي يتسلل إلى الحاضر عبر الذكريات والحكايات والافتراضات (كما في رواية “توأم البحر”)، والمستقبل يلوح في شكل مخاوف أو تطلعات. هذا التداخل الزمني منح الفضاء، في ظني، عمقًا إضافيًا، وحوّله إلى فضاء تتجاور فيه الأزمنة بدلًا من أن تتعاقب خطيًا. فالمدينة في لحظة واحدة قد تكون طفولةً منسية، وواقعًا متوترًا، وحلمًا مؤجلًا. ومن خلال هذا البناء، يصبح الفضاء الروائي أداةً فلسفيةً للتأمل في معنى الزمن نفسه، وفي علاقة الإنسان بماضيه ومستقبله.
حاولت أن أمزج في تصويري لكركوك بين الواقعية الدقيقة والرمزية الشفافة. فقد رسمت تفاصيل الحياة اليومية بواقعية ملموسة، لكنني في الوقت ذاته منحت المدينة بعدًا رمزيًا يجعلها تتجاوز حدودها الجغرافية لتغدو رمزًا للوطن، أو للمنفى الداخلي، أو للتعددية المهددة، أو للذاكرة التي لا تموت. وأحسب أن هذا التوازن بين الواقعي والرمزي منح رواياتي قدرةً على مخاطبة القارئ على مستويين: مستوى التجربة الملموسة، ومستوى التأويل الفكري. فالمدينة يمكن أن تُقرأ بوصفها فضاءً محددًا، ويمكن في الوقت ذاته أن تُفهم بوصفها استعارةً لحالات إنسانية عامة.
في نهاية المطاف، لم أرد أن أُقدَّم كركوك في هذه الروايات كإجابة، بل كسؤال مفتوح. سؤال عن الانتماء: هل الإنسان ابن المكان أم صانعه؟ وسؤال عن الهوية: هل تتشكل من الجغرافيا أو من الذاكرة؟ وسؤال عن المصير: هل المدينة قدرٌ لا فكاك منه أم محطة عابرة؟

قد يعجبك ايضا