عزيز ملا هذال
تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لدى الكثيرين إلىمرآة مشوهة يقيسون من خلالها قيمة ذواتهم. إنقيمة الإنسان الحقيقية تستمد من جوهره وعطائهوقدرته على التعلم، وليست مرهونة بلقطة كاميرا أومقطع فيديو يخفي وراءه الكثير من التضليل؛ لذا لابدأن يكون المراهق النسخة الأصلية من نفسه لا نسخةباهتة من حياة شخص آخر…
تحت هيمنة الرقمنة التي فرضت سلطتها عليناأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي إحدى نوافذالإنسان الفعالة لرؤية العالم من زاوية مختلفة، لا لميتخلف أحد منا في الولوج فيها على مدار اليوم،وبدلاً من أن تكون هذه المنصات وسيلة للتواصلفقط، تحولت لدى الكثيرين إلى (مرآة مشوهة) يقيسون من خلالها قيمة ذواتهم وهذا هو فخ المقارنة.
سيكولوجية المقارنة
بحسب عالم النفس ليون فيستينجر فإن ما يحكمسلوك البشر ويسيرها هي الدوافع الغريزية ومنضمن الدوافع هو تقييم الإنسان لنفسه، عبرمقارنتها بالآخرين. في الماضي كانت المقارنةمحصورة في المحيط القريب (الزملاء، الجيران)، أمااليوم، فنحن نقارن “خلف كواليس” حياتنا الواقعيةبـأفضل اللقطات من حياة الآخرين، إذ يرى الإنسانولا سيما المراهقين صوراً معدلة، لحظات نجاحمنتقاة، ورحلات مبهجة، وينسى أن هذه الصور لاتمثل سوى 10% من الحقيقة، بينما تبقى الضغوطوالإخفاقات مخفية خلف الشاشات.
كيف يتأثر تقدير الذات؟
عندما يتعرض المراهق لفيض مستمر من الصور“المثالية“، يبدأ العقل الباطن بعقد مقارنة اجتماعيةتصاعدية، هذا النوع من المقارنة يولد شعوراً بالدونيةوالنقص، مما يؤدي إلى تآكل تقدير الذات. حيثتظهر الدراسات النفسية أن الإفراط في متابعةالمؤثرين قد يرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب،لأن الطالب يبدأ في ربط قيمته الشخصية بعددالإعجابات والتعليقات أو بمدى مشابهة حياته لتلكالصور اللامعة.
كيف نحمي المراهقين؟
في سبيل حماية أبنائنا المراهقين أول ما يجب فعلههو توعيتهم بأن ما يرونه ليس حقيقياً بل هو بيعللوهم تمارسه وسائل التواصل والجهات التي تقفخلفه لجر أبناء هذه الفئة إلى ميادين وساحاتيريدون عبرها طمس الهوية وتغييب الشخصيةوالتلاعب بالقيم والمحددات الضابطة لسلوكيات الفردفي المجتمع، سيما المجتمع الإسلامي العربي.
وثاني خطوة هي محاولة التخلص من السمومالرقمية عبر التوقف عن متابعة الحسابات التيتشعرك بالسوء تجاه نفسك، واستبدلها بمحتوىتعليمي أو اجتماعي صحي ينمي لديك مهاراتومعارف تسهل عليك مواجهة متطلبات الحياةوالاستعداد لها بصورة ممنهجة وعلمية سيما ونحننعيش في عصر المتطلبات التي لا تنتهي.
وثالث الخطوات لتحصين أبنائنا المراهقين من خطرالمقارنة محاولة تعليمهم الامتنان للواقع الذييعيشون فيه، فبدلاً من تضييع الوقت على مشاهدةإنجازات الآخرين الوهمية التي تقدمها وسائلالتواصل والتي تستهلك القوى النفسية له، يفضل أنيتعلم التركيز على أهدافه وإلى أين يريد أن يصلبعد سنوات الدراسة أو فلنسمها فترة البناء الذاتي،حيث هذه الفترة لا يعوض الإخفاق فيها فحياةالإنسان بنسبة كبيرة تقوم على أساس الإعدادالجيد لها.
ورابع الخطوات من الأهمية بمكان أن يركز الأهلعلى المدح على الجهد لا النتيجة، فعندما يُمتدحالمراهق على “ذكائه” أو جماله أو إنجازه فإن هذايجعله يحاول التمسك بها وعدم فقدانها لأنه يشعرحيال ذلك بالثقة بالنفس، وعندما نمتدحه علىإصراره أو طريقة تفكيره فإن الوالدين يعززون لديهعقلية النمو فيسلك كل الطرق التي من شأنها أنتبقي صورته متوهجة في عينه وفي عيون الآخرينمن حوله.
الخلاصة
إن قيمة الإنسان الحقيقية تستمد من جوهرهوعطائه، وقدرته على التعلم، وليست مرهونة بلقطةكاميرا أو مقطع فيديو يخفي وراءه الكثير من الغشوالخداع والتضليل، ولابد أن يكون الإنسان النسخةالأصلية من نفسه ولا يكون نسخة باهتة من حياةشخص آخر.