في ذكرى تأسيسه الـ 33.. مركز لالش حارس الهوية ومنارة الثقافة الإيزيدية

ادور رياض القائيدي

في مثل هذه الأيام من عام 1993، وفي ظروف تاريخية بالغة التعقيد، انبرت نخبة من المثقفين والغيورين لتأسيس “مركز لالش” في مدينة دهوك. هؤلاء الرواد لم يؤسسوا مجرد مركز ثقافي، بل وضعوا حجر الأساس لمؤسسة حافظت على الجوهر الإنساني والتاريخي للإيزيدية.
نستذكر بتقدير عالٍ الجهود الجبارة للمؤسسين الأوائل، وفي مقدمتهم الراحل الكبير والشخصية الأكاديمية الفذة الأستاذ شيخ شامو (رحمه الله)، الذي أفنى حياته في خدمة المركز وتطويره حتى أصبح صوتاً مدوياً في المحافل الدولية. كما نحيي كافة الأساتذة والمثقفين الذين ساندوا الانطلاقة الأولى، مؤمنين بأن القلم والفكر هما أقوى سلاح لحماية الوجود.
ثلاثة عقود وثلاث سنوات من العطاء المستمر، كنتم خلالها الحصن المنيع لهويتنا، والمحراب الذي تُصان فيه لغتنا وتراثنا. لقد أثبتم أن الثقافة هي الروح التي لا تموت، وأن مركز لالش سيبقى دائماً المظلة التي تجمع شمل المثقفين، والمنبر الذي ينقل رسالة السلام والتسامح من قلب كوردستان إلى العالم أجمع.
تأسس مركز لالش في 12 أيار 1993 في مدينة دهوك بإقليم كوردستان، وجاء ظهوره في مرحلة مفصلية من تاريخ الشعب الكوردي بعد انتفاضة عام 1991. كان الهدف الأساسي من التأسيس هو ملء الفراغ الثقافي والمعرفي الذي عانى منه الإيزيديون لعقود نتيجة التهميش والاضطهاد ومحاولات طمس الهوية.
لقد حمل المؤسسون الأوائل على عاتقهم رسالة نبيلة: إحياء التراث وحماية الوجود. ومنذ اللحظة الأولى، رفع المركز شعار “لالش نبع صافٍ يصب في المجرى الثقافي الكوردستاني”، تأكيداً على التلاحم المصيري بين الخصوصية الدينية والانتماء القومي.
على مدار 33 عاماً، تحول مركز لالش إلى ورشة عمل كبرى لا تتوقف عن الإنتاج،قام المركز بجمع وتدوين المئات من النصوص الدينية “القول” (Qewl) التي كانت تُنقل شفاهياً، مما حماها من الضياع والتحريف.
،أصدر المركز مجلة “لالش” الرصينة، وهي مجلة فصلية تُعنى بالبحوث التاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى جريدة “صوت لالش” ومئات الكتب التي تغطي جوانب الفلسفة الإيزيدية، التاريخ، والفلكلور.نظم المركز عشرات المهرجانات الثقافية الدولية والمحلية التي جمعت الباحثين من مختلف دول العالم لتسليط الضوء على الإيزيدية كإرث إنساني عالمي،لم ينحصر دور المركز في الكتب والندوات فحسب، بل كان له حضور ميداني طاغٍ، خاصة بعد كارثة شنكال (سنجار) عام 2014.فتح المركز أبوابه وفروعه المنتشرة في (دهوك، معسكرات النازحين، المجمعات) لتقديم الدعم اللوجستي والنفسي للناجين والناجيات،مثل المركز صوتاً قوياً في المحافل الدولية للتعريف بجريمة الإبادة الجماعية (الجينوسايد) التي تعرض لها الإيزيديون، والمطالبة بتحرير المختطفات وإعادة الإعمار.من خلال الدورات التدريبية والتأهيلية، سعى المركز لرفع مستوى الوعي المجتمعي وتمكين الفئات الشابة من الانخراط في بناء مستقبل كوردستان،يمتلك مركز لالش شبكة واسعة من الفروع والمكاتب التابعة له في مختلف مناطق تواجد الإيزيديين (شاريا، بعشيقة، بحزاني، ختارة، خانك، وغيرها)، مما يجعله المؤسسة المدنية الأكبر والأكثر تنظيماً داخل المجتمع الإيزيدي. تدار هذه الفروع بهيئة عليا منتخبة تعمل على التنسيق بين القاعدة الشعبية والجهات الحكومية والدولية.في ذكراه الثالثة والثلاثين، يقف مركز لالش أمام مسؤوليات تاريخية جديدة. التحديات اليوم لا تقتصر على الحفاظ على التراث، بل تمتد إلى،السعي لتوفير بيئة ثقافية واجتماعية تشجع الشباب على البقاء في أرض الأجداد. تحويل الأرشيف الضخم للمركز إلى منصات رقمية لتسهيل وصول الباحثين والجيل الجديد إليها. الاستمرار في نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر التي هي جوهر الفلسفة الإيزيدية.إن مركز لالش الثقافي والاجتماعي ليس مجرد بناية أو عنوان، بل هو فكرة ومقاومة ثقافية. في الذكرى الـ 33 لتأسيسه، ننحني إجلالاً للمؤسسين الأوائل، ونحيي الكوادر التي واصلت المسيرة رغم الصعاب. سيبقى “لالش” النبض الذي يحفظ لهوية “إيزيدخان” بريقها، والجسر الذي يربط عراقة الماضي بتطلعات المستقبل في كوردستان آمنة ومزدهره.
كل عام ومركز لالش، إدارةً وأعضاءً ومؤسسين، بألف خير.. مزيداً من التقدم والرفعة في خدمة الإنسانية والثقافة.”
عاش مركز لالش منارةً لا تنطفئ، والمجد والخلود لذكرى من وضعوا اللبنة الأولى في هذا الطريق النبيل.

قد يعجبك ايضا