محمد علي محيي الدين حارس الذاكرة الحلية

الدكتور سعد الحداد
(1)
يمتاز الباحث والكاتب الأستاذ محمد علي محيي الدين بأسلوب خاص في كتابة المقال الهادف بما يمتلكه من روح ناقدة وبصيرة نافذة في التعاطي مع مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ينسجم معه ومع النقد اللاذع وربَّما الساخر في بعض الأحايين، نجد الكاتب ملمًّا في أَفكاره ورؤاه ، متَّزنًا في كتاباته، غير منحرف إلى غوغائية سادية، بعيدًا عن القذف والسب والتشهير مع من يختلف عنهم فكريًا وعقائديا ، وبما عرف عنه من هدوءٍ ورزانة كان يتعاطى مع مقاله النقدي بروح الحرص واحترام الآخر للوصول إلى ما ينشده من تغيير مفيد ، وما يطمح إليه من إحداثِ هزَّةِ وعي انساني .
فالكتابة لديه نوع من التنفيس عمَّا يعتمل في روحه وضميره من خلجات وأحاسيس تتعاكس مع ما يراه في أرض الواقع. لذا جاءت مقالاته لتعالج الخلل، أَو تشير إليه ، في مواضيع متعددة ازدحم بها الفضاء العراقي خاصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري وبدء ملامح جديدة لعهد جديد. . وما يحمله من أفكار وطنية معبرة استطاع من خلالها إيصال صوته بمقالاته التي شكلت جزءا من سياسة الدفاع عن الحق والوقوف بوجه الظلم، والدعوة إلى مجتمع معافى بعيدا عن التناحر والتباغض. قريبا من بناء وطن، يسود السلام والمحبة.
(2)
يُعدُّ العرب والمسلمون أَكثر شعوب الأرض اهتمامًا بكتابة السير وتوثيقها ،حتى ابتدعوا علومًا في بابها ووضعوا قواعدها وصاغوا لها انماطًا وطرائق. وتتفرد مدينة الحلة منذ قرون بخدمة التراث في حقول الرجال والتراجم والسير، فإنَّ لأَعلامها فضل كبير في تصنيف تآليف كثيرة، سَطَّرتْ بمدادها المبارك آلاف الصفحات، ووثقت لأَعلام الأمة في مختلف المعارف. بل تجاوزت بما يُصطلحُ عليه بـ(الببلوغرافيا) الى العلوم والكتب ليس هنا مجالُ سردِها وتثبيتِها وتَتَبُّعِها.
والأستاذ الباحث والكاتب محمد علي محيي الدين واحد من أبنائها الغيارى في عصرنا الراهن سَبَرَ أَغوارَ هذا الفن، وهو من الفنون الصعبة التي تحتاج إلى صبر وأناة في تتبع السير وأصحابها ، وقد يُستَفَادُ من غِنَى تجربته الإبداعية طيلة سنوات في مختلف المناشط السياسية والثقافية والاجتماعية . واشتغاله في منافذ حيوية مثل الصحافة والاذاعة واسهامه في تأسيس عدد من الهيئات ومنظمات المجتمع المدني وحضوره الفاعل في التجمعات والفعاليات الثقافية المختلفة كان لكل ما تقدَّم مزيدًا من إثراء تجربته في كتاباته الابداعية العامة، وفي عالم السير والتراجم خاصة . فكان لعلاقاته الواسعة وتواصله المستمر مع الأَوساط الثقافية برنامج عمل في الأرشفة والتوثيق لأولئك المبدعين حتى تمكَّن من تصنيف مجموعة مهمة من المؤلفات في هذا الباب يمكن تصنيفها مختصةً بنوعين هما : كتب التراجم العامة (المشتركة)، وكتب التراجم الخاصة (المفردة).
. وقسمت التراجم العامة الى نوعين:
1- الأدباء والكتاب.
2- والشعراء الشعبيين.
اما التراجم الخاصة فكان نصيبها الأَعيان والوجوه الاجتماعية والسياسية .
. وفي عمله المُضْنِيّ هذا كان الأستاذ محيي الدين دقيقًا في تتبع (مترجميه ) وما يخصهم ، وما يحيط بهم من مؤثرات ، وصولا إلى مكانتهم الإبداعية، وما حققوه من عطاء خلال مسيرتهم الابداعية .
وكان حريصًا في التواصل مع المترجم له للوصول إلى المعلومة الدقيقة المستقاة من صاحبها مباشرة، فضلا عن اعتماده على المصادر التي سبقته موثقًا ذلك بإثباتها بمعلوماتها الدقيقة. وتلك من أهم الأمانات العلمية التي يمتاز بها الباحث محيي الدين .الذي يكتنز تجارب متعددة. ولكل تجربة طعم خاص ،فمرة مع الشعر الشعبي وثانية مع السياسة وأخرى مع الأدب و الشعر ، وهكذا ليسلط الضوء على أنشطتهم المختلفة. فكانت حصيلته مجموعة من أجزاء متعددة أرخت، لأسماء كثيرة، ووثقت بحرص المتتبع لأسماء كثيرة في الساحة الثقافية العراقية، وكان له سبق الريادة بالتعريف بكثير لا يحصى منه، حتى غدت مؤلفاته مصادر مهمة للباحثين والدارسين. فهو يشتغل على فرش السيرة (ذاتيا ومعرفيا)، من خلال تقصِّيه لمفردات ومحطات يستجمع فيها أجزاء ليكوِّنَ هيكلًا من سيرة متكاملة (حياةً وإبداعًا).
وله في السيرة الشخصية المنفردة وقفات مهمة مع رجالها الذين كتب عنهم ، وجاءت سيرهم حافلة بالعطاء الذي لولا بحث وتقصِّي الباحث الأستاذ محمد علي محيي الدين لما عُرفتْ لدى الآخرين من الأصدقاء والقريبين من الشخص المكتوب عنه ، فله الفضل في إضفاء طابع جمالي في الوقوف على جوانب متعددة إنسانية علمية اجتماعية وغيرها .
وفي المجال التاريخي العام فقد اصدر عدد من الكتب المهمة التي اصبحت مراجع للباحثين منها كتابه المشترك مع الباحث نبيل الربيعي عن تاريخ الحزب الشيوعي في بابل، وكتابه عن عملية الهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967 وكتابه دفاعا عن ثورة 14 تموز الذي خاض فيه سجالات مع مؤرخين وكتاب لهم رؤيتهم السلبية فكان كتابه دفاعا عنها مدعوم بالأدلة والاسانيد، اضافة لتدوينه التاريخ الثقافي لمدينة الحلة الذب اعتد فيه على كم كبير من الكتب والدوريات.

قد يعجبك ايضا