القيمة القانونية للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي يعقدها العراق

زهير كاظم عبود

نصت المادة (٦١|رابعا) من الدستور العراقي على تنظيم عملية المصادقة علي المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ان تكون من اختصاص مجلس النواب، وان تتم هذه العملية وفق قانون يتم تشريعه بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، ووفقا لنص المادة (٧٣|ثانيا) من الدستور يتولى رئيس الجمهورية المصادقة على تلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتعد مصادقا عليها بعد مضي ١٥ يوم من تاريخ تسلمها، علما بان التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتوقيع عليها او التخويل لتوقيعها من صلاحيات مجلس الوزراء (المادة ٨٠|سادسا).

والمعاهدات التي يعقدها العراق لا تكون نافذة وملزمة للعمل بها داخليا مالم تقترن بموافقة السلطة التنفيذية والمصادقة عليها من قبل السلطة التشريعية، وان يتم نشرها بالجريدة الرسمية (الوقائع العراقية)، ولا يمكن للمعاهدة ان يتم تطبيقها داخليا بشكل تلقائي حيث يقترن العمل بها ادماجها ضمن القانون الداخلي عبر القانون الذي يصدره مجلس النواب.

بعد ان تتم المصادقة على المعاهدة وفقا للقانون تكتسب حينها قوة القانون العادي، الا انها لا ترتقي لمستوى نصوص الدستور، بمعنى انها متساوية مع نصوص القوانين الاعتيادية، وفي حال تعارض تلك الاتفاقية مع أي قانون سبق عليها يرجح تطبيق مبدأ القانون اللاحق ينسخ القانون السابق، الا إذا كانت المعاهدة ذات طبيعة خاصة وخصوصا الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الانسان، وفي حال تعارض تلك الاتفاقية مع نصوص الدستور فلا يجوز ابرام الاتفاقية والمصادقة عليها لعلو الدستور عليها.

ودوليا يتم اعتماد المعاهدات التي يبرمها العراق وفقا لمبدأ (العقد شريعة المتعاقدين)، ويقرر أيضا وفقا لمصلحة العراق التزامه بها وفقا لحسن النية والمصلحة العامة، ولا يجوز له الاحتجاج لعدم تنفيذها بقانونه الداخلي، وينظم الاتفاقيات قانون المعاهدات المنعقد في فينا في العام ١٩٦٩.

ويؤكد القضاء العراقي والمحكمة الاتحادية العليا على ضرورة احترام الإجراءات الدستورية في ابرام المعاهدات، وعلى سمو الدستور على أي اتفاق دولي مهما كانت طبيعته واسبابه، وان يلتزم العراق بتعهداته الدولية بعد ان يستكمل جميع الإجراءات القانونية والدستورية ، وغالبا ما تبرم السلطة التنفيذية اتفاقيات تقع ضمن اختصاصها لا تتطلب تعديلا تشريعيا او التزامات مالية مرهقة للخزينة العامة كاتفاقيات حقوق الانسان والتي يميل لها القضاء لأهميتها وارتباطها بالمبادئ الدستورية ، أما المعاهدات السياسية والسيادية الحدودية والأمنية فإنها تتطلب مصادقة خاصة وبحث دقيق في هذا الجانب، علما بان الدستور العراقي نص في المادة ( ٤٦ ) منه علي عدم تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور أو تحديدها الا بقانون أو بناء على قانون ، على ان لا يمس هذا التحديد او التقييد جوهر الحق او الحرية .

وهناك حالات يمكن معها للعراق ان يتراجع وليس كل تراجع غير قانوني حيث يمكن له ان ينسحب، في حال ان تنص المعاهدة على حق الانسحاب، وفي حال حصول اخلال جوهري من الطرف الاخر في المعاهدة، وإذا حلت ظروف طارئة، او أصبح الحال يستحيل معه التنفيذ، وفي جميع الأحوال يجب اتباع الإجراءات المنصوص عليها في اشعار الاطراف الأخرى، اما في حال الاخلال دون سند قانوني مشروع فان ذلك يشكل اخلالا دوليا يترتب عليه المسؤولية القانونية لمن أخل بالالتزام.

وفي حال الاخلال يترتب التعويض عن الاضرار المادية والمعنوية، وتقديم الضمانات بعدم التكرار، ووقف الفعل المخالف وإعادة الحال الى ما كانت عليه بقدر الإمكان، حيث تحال المنازعات الى محكمة العدل الدولية في حال هناك ولاية قضائية، او الى هيئات تحكيم دولية، أو الى محاكم استثمارية في حال وجود اتفاق عليها، وقد تصدر احكام ملزمة تفرض تعويضات مالية أو التزامات محددة، وتواجه الدولة تدابير مضادة من دول أخرى، وعقوبات دولية، وإجراءات من مجلس الامن اذا تعلق الامر بالأمن والسلام الدوليين كما حدث
بعد غزو الكويت وما تلاه من قرارات صدرت عن مجلس الامن الدولي، وبالإضافة الى التبعات والاثار القانونية لهذا الفعل فانه يؤدي الى تراجع الثقة الدولية وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، وصعوبة ابرام اتفاقيات مستقبلية وتدهور التصنيف الائتماني وتوتر العلاقات الدبلوماسية.

ان عدم التراجع عن الالتزام بالمعاهدات يتم وفق إدارة الالتزامات الدولية بحكمة قانونية وحنكة سياسية حتى نتجنب الوقوع تحت طائلة المسؤولية القانونية ، وذلك عن طريق الدراسات القانونية والدستورية المسبقة لكل معاهدة للتأكد من انسجامها مع نصوص دستور جمهورية العراق ، وان يتم تقييم الآثار المادية والسياسية والاقتصادية قبل المصادقة ، وان يتم اشراك خبراء القانون الدولي والاقتصاد والامن الوطني ضمن فرق التفاوض ، وأخيرا ان لا توقع الدولة على مالم تستطيع تنفيذه ، والثقة الدولية تعد رصيدا إستراتيجيا لا يقل عن الثروات الطبيعية .

قد يعجبك ايضا