مفوضية الانتخابات تعيد كتابة المادة 140

صلاح بكر

في أزقة كركوك العتيقة، حيث تتنفس الجدران عبق التاريخ وتتداخل هويات ساكنيها في نسيج فريد، تلوح في الأفق ملامح تغيير ديموغرافي صامت ينسج خيوطه بعيداً عن صخب الشعارات. فالتحديث البايومتري الأخير للناخبين لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني عابر، بل تحول إلى ما يشبه العاصفة الرقمية التي أعادت تشكيل الخريطة الانتخابية للمحافظة، لتضعنا أمام تساؤل جوهري حول مدى إنصاف هذه التعليمات لروح وجوهر المادة 140 من الدستور العراقي الدائم.

إن لغة الأرقام لا تحابي أحداً، وهي تقف اليوم شاهدة على مفارقة ديموغرافية صارخة تثير الريبة. فبينما كانت صناديق الاقتراع في عام 2014 تسجل 92,124 صوتاً للقوائم العربية، جاءت انتخابات 2025 لتكشف عن قفزة هائلة وغير مسبوقة، حيث تجاوزت أصوات الناخبين العرب عتبة الـ 211,000 صوت. هذه الزيادة الفلكية التي بلغت نسبتها 129%، تقف على النقيض تماماً من مسار الأصوات الكردية التي شهدت تراجعاً بنسبة 7.7% في ذات الفترة الممتدة بين الانتخابين، لتنخفض من 273,040 صوتاً إلى 252,000 صوت.

هذا التدفق الانتخابي المستمر، والزيادة الملحوظة في أعداد الناخبين الوافدين من المحافظات الاخری في الوسط والجنوب، يعكسان خللاً بنيوياً عميقاً في آليات وتعليمات تحديث سجل الناخبين. لقد تقلصت الفجوة التاريخية بين المكونين بشكل دراماتيكي، لتتراجع من أكثر من 180 ألف صوت في 2014، إلى نحو 41 ألف صوت فقط في 2025. إن هذا التحول المتسارع ليس مجرد انعكاس لنمو سكاني طبيعي، بل هو مؤشر مقلق على عملية تغيير ديموغرافي ممنهجة تجد طريقها للشرعنة عبر ثغرات التحديث البايومتري.

لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن سياقها التاريخي. فإجراءات التحديث البايومتري الحالية وعدم مراعاتها للمادة 140 ليست حالة معزولة، بل هي امتداد مباشر وفعّال لسياسة التغيير الديموغرافي التي عانت منها كركوك عبر عقود. فقد كانت تلك السياسات تُنفّذ بقوة السلاح والإجبار، أما اليوم فتُنفّذ بقوة الأرقام والتعليمات الإدارية. الفرق أن الأمس كان يحمل وضوح العنف، بينما اليوم يحمل قناع الشرعية القانونية. المادة 140 من الدستور وُضعت تحديداً لإيقاف هذا النزيف الديموغرافي، لكن التعليمات الحالية تحوّلها من درع حماية إلى سلاح يُستخدم ضد أهدافها الأصلية. إن ما يحدث في كركوك اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل هو استمرار لمشروع تاريخي لم ينته فصوله.

أمام هذا المشهد المتغير، تتجلى حقيقة مرة: إن تعليمات تحديث سجل الناخبين الحالية ليست منصفة بحق المادة 140 من الدستور، بل تبدو وكأنها تتجاوزها وتفرغها من محتواها. فالمادة التي وُضعت لمعالجة آثار سياسات التغيير الديموغرافي السابقة، تجد نفسها اليوم أمام موجة جديدة من التغيير، تُمرر عبر آليات انتخابية يُفترض بها أن تكون حارسة للعدالة. إن السماح بهذا التزايد الملحوظ في أعداد الناخبين من خارج المحافظة يمثل طعنة في صميم التوازنات التاريخية التي تسعى المادة 140 لحمايتها.

نٲمل من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ان تقف وقفة مراجعة جادة وشجاعة، لتعيد النظر في تعليمات وإجراءات التحديث البايومتري. يجب أن تصاغ هذه التعليمات بوعي تام لخصوصية كركوك وحساسيتها، وبما يضمن عدم تحويل العملية الديمقراطية إلى أداة لطمس الهويات الأصلية. فكركوك لا تحتمل مزيداً من القفز على الثوابت الدستورية، بل تحتاج إلى بوصلة انتخابية عادلة، تراعي التوازنات، وتحفظ حقوق جميع مكوناتها، وتنتصر لروح المادة 140 دون إخلال أو تجاوز.

قد يعجبك ايضا