أبعد من الحقيبة الوزارية…إصرار بارزاني على تمثيل المكونات كوثيقة شرعية للدولة

ڤينوس بابان

لا يمكن قراءة الحراك الدبلوماسي المكوك الذي قاده رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، في بغداد وما تلاه من قرار استراتيجي بعودة الفريق البرلماني للحزب الديمقراطي الكوردستاني إلا بوصفه عملية إعادة ضبط بنيوية للعلاقة الاتحادية، إننا أمام تحول جذري يتجاوز التسويات العابرة لينتقل بالصراع من فضاء التصادم الإرادوي إلى رحاب الاشتباك الدستوري المنتج، حيث تتبنى أربيل اليوم استراتيجية فرض الشراكة بدلاً من الدفاع عن الكيان، لقد وضع الدكتور نوري عثمان مدير مكتب رئيس الإقليم كوردستان، في مكاشفته العميقة يده على الجرح النازف في جسد الدولة مشخصاً الأزمة بأنها معركة عقليات وحضارات إدارية قبل أن تكون خلافاً على أرقام الموازنة، فبينما تتخندق بغداد خلف عقلية مركزية متمسكة بقوانين موروثة من حقبة الشمولية تقدم أربيل رؤية سيادية نضجت عبر تجربة الحرية المؤسساتية التي عاشها الإقليم منذ عام 1991، هذه الفجوة الحضارية الإدارية تعني أن الإقليم لم يعد يطالب بحقوقه من باب المظلومية، بل من باب التفوق الإداري وتقديم تجربة كوردستان كنموذج ناجح للفيدرالية يجب تعميمه لا تحجيمه.
وفي تحول استراتيجي لافت انتقلت رئاسة الإقليم إلى ما يمكن تسميته دبلوماسية الأرقام والاشتباك القانوني فحين يشير د. نوري عثمان إلى وجود 50 مادة دستورية معطلة، فهو لا يذكر رقماً عبثياً بل يقدم إدانة رقمية صارخة للدورات البرلمانية السابقة واضعاً المفاوض الكردي في موقف المُطالب بتطبيق الدستور ومن يحرج الطرف المقابل الذي يتغطى بقوانين بالية، إن العودة إلى بغداد عبر 22 لجنة برلمانية هي زحف تشريعي يهدف لإنهاء حالة التبعية القانونية وانتزاع ملفات السيادة المالية كالجمارك والضرائب والرواتب وتحويلها من منح شهرية تخضع للمزاج السياسي إلى استحقاق قانوني ثابت ومؤتمت رقمياً.
أما التجلي الأسمى لفلسفة السيد نيجيرفان بارزاني في تصفير الصراعات الهوياتية فقد برز في إصراره الحازم على تمثيل المكون المسيحي بوزارة سيادية في الكابينة الجديدة، هذا الموقف لا يُقرأ كمجرد تحصيل مقعد، بل هو تجسيد عملي لجوهر الهوية الكوردستانية الجامعة التي لا تفرق بين كوردي وعربي أو سني وشيعي أو مسيحي وإيزيدي وكاكائي، إن دفاع رئيس اقليم كوردستان عن حقوق المكونات في قلب بغداد هو سحب لملف التنوع من أروقة المزايدات الدولية ليصبح واجباً وطنياً عراقياً بامتياز وهو ما يعزز التفوق الأخلاقي لأربيل كواحة للتعايش ويجعل من قوة التنوع شرطاً مسبقاً لاستقرار أي حكومة قادمة.
وعلى المسار الأمني والسياسي أثبتت رؤية رئيس اقليم كوردستان واقعية مفرطة فعندما اعترف د. نوري بـ غياب الضمانات الدولية أو الورقية القاطعة، فإنه أعلن ضمناً عن ولادة الضمانة الميدانية، هذه العقيدة الجديدة تعتمد على توسيع دائرة التحالفات وبناء شبكة مصالح اجتماعية وسياسية مع كافة القوى لخلق رأي عام داخل بغداد يؤمن بأن استقرار الإقليم هو صمام أمان لاستقرار العراق برمجته وبأن سلاح الفصائل المنفلت يمثل تهديداً لسيادة العاصمة قبل أمن أربيل.
إن ما يمنح هذا التحرك وزنه الاستراتيجي هو عنصر المباغتة والتوقيت الدقيق، فعودة الفريق الكردي القوية بعد أسبوع واحد فقط من تكليف علي الزيدي قلبت موازين القوى في مرحلة المخاض الحكومي، لقد اختارت أربيل ألا تكون مجرد مصوّت على منهاج وزاري جاهز بل أن تفرض رؤيتها في لحظة كتابة المنهاج وتوزيع المسؤوليات محولةً فترة التكليف من ساحة للمساومات الفئوية إلى منصة لتثبيت الأركان الدستورية.
إن هذا الحراك الذي يقوده اليسد نيجيرفان بارزاني ليس معزولاً عن الجدار الاستراتيجي الصلب الذي يمثله الرئيس مسعود بارزاني فبينما يمارس رئيس الإقليم دبلوماسية الاشتباك الناعم، تظل مرجعية أربيل هي الضمانة التي تمنح المفاوض الكوردي ثقله التاريخي، ولعل ما يثير الانتباه مؤخراً هو الإجماع الوطني العابر للمكونات حول دور القيادة الكوردية حيث لم يقتصر الثناء على قادة الإطار التنسيقي فحسب بل امتد ليشمل قوى وطنية وازنة مثل تحالف العزم، إذ أكد المتحدث باسمه محمد دحام الفهداوي أن أربيل أثبتت كونها بوصلة الحل وصمام أمان للدولة مشيداً بحكمة الرئيس مسعود بارزاني في إدارة الأزمات الوطنية الكبرى.
هذا الاعتراف السياسي الشامل يثبت أن القيادة الكوردية نجحت في تحويل أربيل من طرف في الخلاف إلى بيضة قبان في التوازن العراقي، إن التناغم بين حكمة المرجع وديناميكية الرئيس خلق حالة من السيادة المتكاملة حيث تفرض أربيل معاييرها في حماية المكونات وضمان الدستور كضرورة لإنقاذ الدولة الاتحادية من عثراتها المركزية.. في نهاية المطاف يدرك الجميع في بغداد من الإطار إلى الأحزاب السنية والمستقلين أن أي بناء حكومي يتجاوز ثوابت بارزاني هو بناء يفتقر للشرعية الأخلاقية والاستقرار الميداني، إنها لحظة القيادة الكوردية الشاملة التي لا تكتفي بانتزاع الحقوق بل تقدم للعراق بأكمله وثيقة اعتماد للتعايش، مبرهنةً أن قوة إقليم كوردستان هي الضمانة الوحيدة المتبقية لسيادة عراقية حقيقية وتعددية لا تقبل الإقصاء.

قد يعجبك ايضا