سمير ميراني
لكل مسيرةٍ روحٌ، ولكل روحٍ نظامٌ، ولكل نظامٍ شبكةٌ خفيةٌ تسري في عروق الأحداث، كما يسري الماء في باطن الأرض، لا تراه العين لكنك تلمس أثره في كل زهرةٍ تتفتح وكل شجرةٍ تصمد، ومن أدرك هذه الشبكة مشى على بصيرة، ومن جهلها ظلّ يتعثر في طريقٍ يظنه معبّداً، وهو في الحقيقة مليءٌ بما لا تراه عين مَن لم يتعلم كيف ينظر.
إن الحركات الوطنية الواعية، تلك التي حملت في صدرها هماً أكبر من أصحابها، لا تسير في خطٍّ مستقيم كما يتوهم المتعجلون، بل تمر بمراحل متعاقبة، لكل منها وجهٌ يختلف عن الأخرى، وروحٌ تختلف، ورجالٌ يختلفون، تبدأ بجذوة الثورية التي لا تُشعلها الخطط، بل تُشعلها المظالم والأحلام، تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يكون أكبر من خوفه، ثم تنضج هذه الجذوة شيئاً فشيئاً لتجد لها هيكلاً وعقلاً ومنهجاً، وتبلغ أوج نضجها حين تمسك بزمام القرار، وتجلس على كرسي المسؤولية التي لا يعرف ثقلها إلا من جلس عليها.
وفي كل انتقال من مرحلة إلى أخرى، يقف الناس فريقين: فريقٌ يرى في هذا التحول خيانةً للبدايات، وفريقٌ يرى فيه نضجاً طبيعياً لا مفر منه، وبين هذين الفريقين تولد المأساة الكبرى، حين يتمسك كلٌ منهم بجزءٍ من الحقيقة ويظنه كلها، صدق الله حين قال ( تقطّع أمرهم بينهم زُبراً وكل حزبٍ بما لديهم فرحون)، فرحٌ بالجزء وغفلةٌ عن الكل، وهذه وحدها كافية لأن تُحوّل النصر هزيمةً والوحدة شتاتاً.
والذي لا يريد أحدٌ أن يقوله صراحةً، هو أن لكل مرحلة رجالها، لا لأن بعضهم أفضل من بعض في ميزان الإنسانية، بل لأن لكل مرحلةٍ مفاتيحها الخاصة التي لا تفتح أبوابها إلا بها، فمن حمل المشعل في الليل البهيم، وأضاء به طريق من جاء بعده، قدم لنفسه ولوطنه ما لا يُقدّر، لكنه حين يطالب بأن يكون حامل المشعل، هو نفسه من يبني القصور في وضح النهار، فهو يخلط بين دورين لا يجتمعان في زمنٍ واحد، ولا تمنَّ على أحدٍ بماضيك وتاريخك، فما قمت به قدمته لنفسك أولاً ، ولروحك التي أبت أن تكون أصغر مما خُلقت له.
وكما أن البذرة لا تُعاتَب، لأنها لم تكن ظلاً، والجذر لا يُلام، لأنه لم يكن ثمرة، فأن المراحل لا تتنافس بل تتكامل، وعلى من أدرك هذا أن يستثمر ما تتيحه له مرحلته بكامل يقظته وذكائه، لا أن يقف على أعتابها باكياً على ماكان أو حالماً بما لم يأتِ بعد، فالفرص لا تطرق الأبواب مرتين، وهي لا تأتي أصلاً إلا لمن تعلّم كيف يميّز صوت طرقها من بين ضجيج الأيام.
أما من آثر الجلوس في محراب المظلومية، يُحصي ما أعطى ويوازنه بما أخذ، فقد ظلم نفسه قبل أن يظلمه أحد، لأنه حكم على مسيرةٍ بمعايير لم توضع لها، وقاس بحر المراحل بكأس توقعاته، وقد قال الله تعالى( والذين ظلموا أتّبعوا أهواءهُم)، والهوى لايرى إلا ما يريد أن يرى، ويُعمى عن كل حقيقةٍ لا تُريحه، ولمن يحمل في صدره جمرةً من مرحلةٍ مضت، ولمن يشعر أن الزمن أخذ منه أكثر مما أعطاه، جاء الكتاب بحكمة تعلو على كل حكمة، (ادفع بالتي هي أحسن)، فإن الارتقاء فوق الجرح هو أعلى درجات القوة، وليس الضعف كما يظن الجاهل.
وشبكة النظام لا تُمنح لمن طال عمره في المسيرة فحسب، ولا تُورَث بالانتماء وحده، بل تُدرك بعقلٍ صافٍ وقلبٍ صادق، وعين ترى الأمور كما هي لا كما تتمنى، فمن أدركها مشى بخطى من يعرف وجهته، ومن جهلها مشى بخطى من يظن أن الضجيج وحده يصنع الطريق، والفارق بين الاثنين ليس في الإخلاص، فكلاهما قد يكون مخلصاً، بل في الفهم، ذلك الضيف الثقيل الذي لا يحلُّ إلا عند من أعدّ له مكاناً في عقله قبل قلبه.
في نهاية المطاف، حين تخلو بنفسك وتضع جانباً كل الأصوات، لن يبقى أمامك إلا سؤال واحد لا تجد منه فراراً: أن تعيش بسلامٍ مزيف، تبنيه على ما لا تؤمن به، أم أن تدفع ثمن الحقيقة، وتبقى صادقاً مع نفسك فيما اخترت وفيما تركت؟ وإن كنت قد اخترت المسيرة بإخلاص، فتقبّل الأمر بخيره وعدمه، فالإخلاص لا يعدك بالجائزة دائماً، لكنه يعدك بشيءٍ لا يستطيع أحد أن يأخذه منك، وهو أن تنظر في المرآة وتعرف من ترى.