اسماعيل الشيخلي الذي استمد ألوانٌه من روح بغداد

محمد علي محيي الدين

وُلد إسماعيل إبراهيم علي الشيخلي سنة 1924 في محلة «قهوة شكر» ببغداد، في بيئةٍ شعبيةٍ نابضة بالحياة، حيث تتجاور الحكايات اليومية مع ملامح المدينة القديمة، فتتشكل في وجدان الطفل بذور الحسّ الجمالي الأولى. تنقّل في دراسته بين مدارس بغداد، من العوينة إلى التسابيل والبتاويين، قبل أن يكمل دراسته في متوسطة الرصافة، غير أن شغفه الحقيقي كان يتجه منذ وقت مبكر نحو الرسم، كأنما وجد في الخط واللون وسيلته لفهم العالم والتعبير عنه.

التحق بمعهد الفنون الجميلة – القسم المسائي – سنة 1939، وتخرّج فيه سنة 1945، في مرحلةٍ كانت الحركة التشكيلية العراقية فيها تبحث عن هويتها الحديثة. ولم يكتفِ بما حصّله، فسافر إلى باريس سنة 1948، حيث انفتح على أفقٍ أوسع في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وهناك صقل تجربته، وتخرّج حاملاً شهادة «البوزار» مطلع الخمسينيات، بعد أن تمرّس بأساليب الفن الأوروبي دون أن يفقد صلته العميقة ببيئته الأولى.
عاد إلى بغداد ليبدأ رحلة العطاء، فعمل مدرسًا ومحاضرًا، ثم استقر في معهد الفنون الجميلة أستاذًا للرسم، ليكون من أوائل من أسهموا في بناء تقاليد التعليم الفني الحديث في العراق بعد الرواد الأوائل. امتد عطاؤه لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، تنقّل خلالها بين مواقع تعليمية وإدارية، فترأس فرع إعداد المعلمين، ثم قسم الفنون التشكيلية في أكاديمية الفنون الجميلة، ونال لقب «أستاذ فن»، قبل أن يتولى مسؤوليات أوسع، منها إدارة دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والإعلام، فضلًا عن دوره في المحافل الدولية ممثلًا للفن العراقي.
كان الشيخلي أحد المؤسسين لجمعية الفنانين العراقيين سنة 1956، وعضوًا فاعلًا في جماعة الرواد، وهي الجماعة التي أسهمت في رسم ملامح الفن العراقي الحديث. شارك في معارض لا تُحصى داخل العراق وخارجه، وأقام معارض شخصية عديدة، حتى تجاوزت أعماله الألف عمل، تنوّعت بين لوحاتٍ تستلهم الحياة اليومية، وأخرى تتأمل الإنسان والأسرة والوطن بروحٍ شاعرية.
تميّز أسلوبه ببساطةٍ واعية، حيث يقتصد في الخط واللون دون أن يُفرّط في التعبير، فتبدو أعماله كأنها تهمس أكثر مما تصرخ، وتوحي أكثر مما تُصرّح. وقد رأى النقاد في تجربته نزعةً إنسانيةً واضحة، تتجلى في موضوعاته الأسرية والوطنية، وفي قدرته على تحويل التفاصيل المألوفة إلى مشاهد ذات بعدٍ جمالي عميق. ولم يكن تأثيره محصورًا في لوحاته، بل امتد إلى تلاميذه الذين حملوا شيئًا من روحه الفنية، فكان حضوره في المشهد التشكيلي حضورًا ممتدًا عبر الأجيال.
ورغم المناصب التي تقلدها، ظلّ وفيًا لفكرة الفن بوصفه رسالة، لا مجرد مهنة. وقد عبّر عن ذلك بقوله إن ما يرضي ضميره أنه أعطى أكثر مما أخذ، وأنه آثر الخدمة العامة على الخاصة، وهي عبارة تختصر مسيرته كلها، إذ عاش للفن والتعليم، وترك أثره في المؤسسة كما في اللوحة.
في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 2002، رحل إثر نوبة قلبية بعد صراع مع المرض، وشيّعته بغداد في جنازةٍ كبيرة حضرها الفنانون والمهتمون، اعترافًا بما قدمه للحركة التشكيلية العراقية والعربية. وبقيت أعماله شاهدةً على فنانٍ لم يكتفِ بأن يرسم الجمال، بل أسهم في صنعه، وفي ترسيخ مكانته في وجدان الثقافة العراقية الحديثة.

قد يعجبك ايضا