التراث كجبهة خفية .. صراعاتُ الهُويّة في زمن الحروب

د. عصام البرّام

لم يعد التراث الثقافي مجرد بقايا من الماضي أو شواهد صامتة على حضارات مندثرة، بل أصبح في عالمنا المعاصر ساحة صراع رمزي تتقاطع فيها السياسة بالتاريخ، والهوية بالقوة، والذاكرة بالسلطة. فمع تصاعد الحروب والنزاعات في مناطق متعددة من العالم، بات التراث الثقافي عرضة للتدمير المتعمد أو الإهمال أو التوظيف السياسي، الأمر الذي يفرض على السياسات المحلية والدولية مسؤولية متزايدة في حمايته، ليس فقط بوصفه إرثاً إنسانياً، بل باعتباره عنصراً حيوياً في تشكيل الهوية الجماعية وإعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات.

إن تدمير المواقع الأثرية والمتاحف والمخطوطات خلال الحروب لا يمكن فهمه باعتباره خسارة مادية فقط، بل هو استهداف مباشر لذاكرة الشعوب ومحاولة لطمس هويتها الثقافية. فحين تُدمر المعابد أو تُحرق المكتبات، فإن ما يُمحى ليس الحجر أو الورق فحسب، بل السردية التي تربط الحاضر بالماضي. ولهذا فإن حماية التراث تتحول إلى فعل مقاومة رمزية في مواجهة محاولات الإلغاء الثقافي، وتغدو السياسات المعنية بهذا المجال جزءاً من استراتيجية أوسع للحفاظ على التماسك الاجتماعي.

تلعب السياسات المحلية دوراً محورياً في هذا السياق، إذ تُعد خط الدفاع الأول عن التراث الثقافي. فالدول التي تمتلك تشريعات واضحة لحماية الآثار، وتوفر مؤسسات فعالة لإدارتها، تكون أكثر قدرة على مواجهة التهديدات حتى في أوقات الأزمات. غير أن التحدي الأكبر يكمن في أن الحروب غالباً ما تضعف هذه المؤسسات أو تُخضعها لاعتبارات سياسية ضيقة، مما يؤدي إلى تقصير في أداء دورها. وفي بعض الحالات، قد يتم توظيف التراث نفسه في خدمة أجندات سياسية، حيث يُبرز جانب من التاريخ على حساب آخر، أو يُعاد تفسيره بما يخدم السلطة القائمة.

ومن هنا تبرز أهمية السياسات الدولية التي تسعى إلى وضع أطر قانونية وأخلاقية لحماية التراث الثقافي، خصوصاً في مناطق النزاع. فالاتفاقيات الدولية، مثل تلك التي تُعنى بحماية الممتلكات الثقافية في أوقات الحرب، تمثل محاولة لتنظيم سلوك الدول والجماعات المسلحة، ووضع حدود لما يمكن استهدافه. إلا أن فعالية هذه السياسات تظل مرهونة بمدى التزام الأطراف بها، وهو أمر لا يتحقق دائماً في ظل غياب آليات تنفيذ قوية أو في سياقات تتسم بالفوضى.

ولا تقتصر السياسات الدولية على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى الجهود الدبلوماسية والثقافية التي تهدف إلى رفع الوعي بأهمية التراث، وتعزيز التعاون بين الدول والمؤسسات. ففي كثير من الحالات، تلعب المنظمات الدولية دوراً حاسماً في توثيق الأضرار، وتقديم الدعم الفني والمالي لإعادة الترميم، والمساهمة في تدريب الكوادر المحلية. غير أن هذه الجهود قد تواجه تحديات تتعلق بالسيادة الوطنية أو بالاختلافات الثقافية، مما يتطلب حساسية عالية في التعامل مع المجتمعات المحلية.

إن التراث الثقافي في زمن الحروب لا يكون مجرد ضحية، بل قد يتحول أيضاً إلى أداة في الصراع. فبعض الجماعات تسعى إلى تدمير آثار خصومها لإضعاف معنوياتهم أو محو حضورهم التاريخي، بينما تستخدم أخرى حماية التراث كوسيلة لتعزيز شرعيتها أو كسب الدعم الدولي. وفي هذا السياق، تكتسب المواقع الأثرية والمتاحف بعداً سياسياً يتجاوز قيمتها الثقافية، لتصبح رموزاً للصراع على الهوية والذاكرة.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما شهدته بعض المدن التاريخية من تدمير واسع النطاق خلال النزاعات، حيث تم استهداف مواقع ذات قيمة رمزية عالية. هذه الأفعال لم تكن عشوائية، بل حملت رسائل سياسية واضحة، تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الثقافي بما يتناسب مع رؤية معينة. وفي المقابل، فإن جهود إعادة الإعمار لا تخلو هي الأخرى من أبعاد سياسية، إذ يمكن أن تُستخدم لإعادة كتابة التاريخ أو لتكريس سردية معينة على حساب أخرى.

وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري أن تتبنى السياسات المعنية بحماية التراث مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار البعد الإنساني والسياسي معاً. فالحماية لا تعني فقط الحفاظ على المباني والقطع الأثرية، بل تشمل أيضاً صون الذاكرة الجماعية وضمان تعددية السرديات. وهذا يتطلب إشراك المجتمعات المحلية في عملية اتخاذ القرار، وعدم فرض رؤى خارجية قد لا تعكس خصوصياتها الثقافية.

كما أن التكنولوجيا الحديثة تفتح آفاقاً جديدة في مجال حماية التراث، من خلال التوثيق الرقمي وإنشاء قواعد بيانات دقيقة يمكن الرجوع إليها في حال تعرض المواقع للتدمير. هذه الأدوات لا تعوض الخسارة المادية، لكنها تساهم في الحفاظ على المعرفة، وتوفر أساساً لجهود إعادة البناء. غير أن استخدامها يثير أيضاً تساؤلات حول من يملك هذه البيانات، وكيف يمكن توظيفها دون الوقوع في فخ الهيمنة الثقافية.

إن العلاقة بين التراث والسياسة في زمن النزاعات تكشف عن تعقيد عميق، حيث لا يمكن الفصل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي. فالتراث ليس مجرد ماضٍ محفوظ، بل هو حاضر يُعاد تشكيله باستمرار، ومستقبل يُبنى على أساسه. ومن هنا فإن حمايته تتطلب إرادة سياسية حقيقية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، تتجاوز المصالح الضيقة، وتضع في اعتبارها أن فقدان التراث هو خسارة للإنسانية جمعاء.

لذا، يمكن القول إن حماية التراث الثقافي في ظل الحروب ليست مهمة تقنية أو قانونية فقط، بل هي مسؤولية أخلاقية وسياسية تتطلب تعاوناً واسع النطاق. فبينما تسعى النزاعات إلى تمزيق النسيج الاجتماعي ومحو الذاكرة، تأتي السياسات الواعية لتعيد بناء الجسور بين الماضي والحاضر، وتؤكد أن الهوية الثقافية ليست هدفاً للتدمير، بل مصدر قوة يمكن أن يسهم في تحقيق السلام والاستقرار. إن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل التراث من ساحة صراع إلى مساحة مشتركة للحوار، حيث تلتقي الذاكرة بالعدالة، والتاريخ بالمستقبل.

وفي ضوء هذه التحديات المتشابكة، تبرز الحاجة إلى تطوير مقاربات تعليمية وثقافية تعزز الوعي المجتمعي بقيمة التراث، بحيث لا يبقى الاهتمام به حكراً على المؤسسات الرسمية أو النخب الأكاديمية. فحين يدرك الأفراد أن هذا التراث يمثل جزءاً من ذاكرتهم وهويتهم، يصبحون أكثر استعداداً للدفاع عنه وحمايته، حتى في أصعب الظروف. كما أن إدماج مفاهيم حماية التراث في المناهج التعليمية يمكن أن يسهم في بناء جيل أكثر وعياً بخطورة فقدانه، وأكثر قدرة على التعامل مع هذا الإرث بوصفه مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

قد يعجبك ايضا