رمزي ميركاني
يحتفل العالم في الثالث من آيار/مايو من كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو يوم حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، لتحيي عبره ذكرى اعتماد إعلان ويندهوك التاريخي الذي تم في اجتماع للصحافيين الأفارقة في 3 أيار/ مايو 1991. كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013 القرار رقم (68-163)، الذي حددت فيه الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام يوماً عالمياً لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، بهدف رفع مستوى الوعي المجتمعي والدولي تجاه هذه الجرائم.
وعلى الرغم من وجود قوانين عدة تهدف لحماية الصحفيين ووضع حد للانتهاكات التي تطال حقوقهم، إلا أن العراق لا يزال يحتل المرتبة الخامسة عالمياً في مؤشر الإفلات من العقاب، بعد الصومال وسوريا وجنوب السودان وأفغانستان. إن معظم الصحفيين الذين قُتلوا في العراق سقطوا انتقاماً من كتاباتهم وتقاريرهم التي كشفت الحقائق، في حين أن الغالبية العظمى من الجناة لم ينالوا جزاءهم العادل، رغم إقرار البرلمان العراقي لقانون حقوق الصحفيين عام 2011.
وبحسب آخر الإحصائيات، قُتل منذ عام 2003 وحتى الآن أكثر من 525 صحفياً في العراق، بينهم 495 عراقياً و30 أجنبياً، ومن بين الضحايا العراقيين 36 امرأة، بمعدل يصل إلى 25 صحفياً في السنة الواحدة. وبالإضافة إلى ذلك، اضطر عدد كبير من الصحفيين الناجين إما لترك المهنة أو اللجوء إلى إقليم كوردستان أو الهجرة خارج البلاد، هرباً من تهديدات القتل والاختطاف.
وحتى اللحظة، لم يُقدم إلى العدالة إلا جزء يسير جداً من مرتكبي هذه الجرائم؛ إذ تشير البيانات إلى أن أقل من 10% فقط من الجناة يتم اعتقالهم ومحاكمتهم، بينما تُسجل معظم القضايا ضد “مجهول”، رغم وجود أدلة واضحة في كثير من الحوادث. هذا الوضع دفع “مرصد الحريات الصحفية” للمطالبة بإحالة ملفات الجرائم ضد الصحفيين في العراق إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها “جرائم حرب”. ولا تزال قضية الإفلات من العقاب العقبة الأكبر أمام ضمان حرية التعبير.
وثمة مشكلة أخرى تواجه العمل الصحفي في العراق، وهي غياب الضمانات القانونية في التوظيف؛ إذ يعمل معظم الصحفيين بناءً على “اتفاقات شفهية” مع المؤسسات الإعلامية. وبحسب إحصائية لمرصد حرية التعبير، فإن 94% من العاملين في القطاع الإعلامي يفتقرون لعقود عمل قانونية مكتوبة ومصدقة، مما يمثل انتهاكاً مهنياً وإنسانياً جسيماً، ويؤدي إلى ضياع حقوق الصحفيين المادية والمعنوية.
ويعود استهداف الصحفيين في العراق إلى عوامل عدة، أبرزها: التوجهات السياسية للمؤسسات الإعلامية، الانقسامات الطائفية، الانحياز السياسي لبعض الإعلاميين، بالإضافة إلى ضعف الوعي القانوني والحقوقي لدى بعض منتسبي الأجهزة الأمنية. لذا، تبرز الحاجة الملحة لإخضاع الكوادر الأمنية لدورات تخصصية لرفع مستوى ثقافتهم في حقوق الإنسان وتعريفهم بمواد قانون حماية الصحفيين والاتفاقيات الدولية. وقد نصت المادة (8) من القانون رقم (21) لسنة 2011 على أن: “كل من يعتدي على صحفي أثناء تأدية واجبه أو بسببه، يعاقب بالعقوبة المقررة لمن يعتدي على موظف أثناء تأدية وظيفة”، كما حددت المادة (229) من قانون العقوبات عقوبة قد تصل إلى الحبس لمدة ثلاث سنوات في حالات الاعتداء.
خلاصة القول، إن العمل الصحفي في العراق يُعد مغامرة خطيرة، حيث يواجه الممارسون لهذه المهنة تهديدات مستمرة تمس سلامتهم وحياتهم في ظل بيئة تفتقر للحماية الحقيقية.