الباحث الحقوقي ره نج باراوی *
في ظل حالة الركود التي تخيم على برلمان إقليم كوردستان، لم تعد قضية شرعية المؤسسات مجرد شأن سياسي عابر، بل أضحت أزمة بنيوية تهدد ركائز كيان الإقليم. فعندما تعجز المؤسسة التشريعية عن انتخاب رئاسة لها، تصبح عملية “منح الثقة” للحكومة مستحيلة، مما يدخل البلاد في نفق مظلم من “تصريف الأعمال” لا تُعرف نهايته.
١. مفارقة “الجلسة المفتوحة”: الانحراف عن النظام الداخلي
إن اللجوء إلى صيغة “الجلسة المفتوحة” المعمول بها حالياً، يعد انتهاکاً مبطناً للمواد (١٠، ١١، ١٢) من النظام الداخلي للبرلمان. إن مهام “رئيس السن” هي مهام تشریفاتیة ومؤقتة تقتصر على إدارة الانتخاب الأول فقط. وإن تمديد هذا الوضع لأجل غير مسمى يعني “تعطيل الإرادة العامة”. وهنا يتوجب السؤال: كيف يمكن لممثلي الشعب، بوصفهم حاملي “الوكالة الوطنية”، عدم الاستقالة في وقت يفتقرون فيه للأدوات القانونية لممارسة مهامهم؟ الإجابة تكمن في “المصالح السياسية الضيقة” التي جعلت القانون تابعاً للتوافقات.
٢. اجتهاد راديكالي: الاستناد إلى المادة ٦٤ من الدستور العراقي
في غياب دستور وطني للإقليم، لا بد من الاحتكام إلى “السيادة الدستورية الاتحادية”. تضع المادة ٦٤ من الدستور العراقي (٢٠٠٥) قاعدة ذهبية: البرلمان الذي يعجز عن أداء مهامه الدستورية، مصيره الحل.
الحيلة القانونية والمخرج غير المرئي: رغم أن قانون رئاسة الإقليم ربط حل البرلمان بـ “التشاور مع رئيس البرلمان”، إلا أن هناك قاعدة قانونية تقول: “الاستحالة تسقط التكليف”.
بما أن منصب رئيس البرلمان شاغر، فإن شرط التشاور يصبح “مستحيلاً”. وهنا، يمكن لرئيس الإقليم، استناداً إلى “نظرية الضرورة” وروح المادة ٦٤ من الدستور الاتحادي، وبوصفه الحامي الأعلى للكيان، إصدار قرار بحل البرلمان بذريعة “تعطل الحياة الدستورية”. هذه الحيلة القانونية تحرر “رئاسة الإقليم” من قيود المشاورات المستحيلة.
في دول مثل إسبانيا، اليونان، وحتى إسرائيل، لم يسمح النظام البرلماني بأن يتحول البرلمان إلى رهينة للوقت. هناك ما يسمى بـ “الموعد الحتمي” (Constitutional Deadline)؛ فإذا لم تُمنح الثقة للحكومة خلال ٦٠ يوماً، يُحل البرلمان تلقائياً. هذا هو الميكانزم الذي يحتاجه الإقليم لإنهاء استغلال “الجلسة المفتوحة” كأداة للمساومة السياسية.
٣. شرعية “حكومة تصريف الأعمال”: بين القانون والواقع
تعمل حكومة تصريف الأعمال حالياً على أساس مبدأ “استمرارية المرافق العامة”، لكن هذه الشرعية “مهتزة”. أي قرار استراتيجي تتخذه هذه الحكومة في ظل برلمان مشلول يمكن الطعن فيه قانونياً. إن الحكومة التي لم تنل ثقة البرلمان وتفتقر لرقابته، تدخل في العلوم القانونية ضمن خانة “السلطة المطلقة”، وهو ما يتنافى مع مبادئ الديمقراطية.
٤. خارطة الطريق المقترحة لتفعيل المؤسسات
بصفتنا “معهد الإصلاح الجنائي في كوردستان”، نقترح الخطوات الجريئة التالية:
اللجوء للمحكمة الاتحادية: لتفسير “الفراغ القانوني في الإقليم” وإلزام الأطراف بإنهاء الجلسة المفتوحة.
مرسوم إقليمي رئاسي: استخدام صلاحيات المادة ١٢ لحماية المصلحة العليا وتجاوز شرط التشاور مع رئيس برلمان “غير موجود”.
تعديل النظام الداخلي: تثبيت نص يحدد موعداً نهائياً لانتخاب رئاسة البرلمان، واعتبار تجاوزه بمثابة “حل حتمي”.
إن أزمة البرلمان ليست مجرد صراع على المقاعد، بل هي أزمة “إسكات القانون”. عندما تعجز مؤسسة عن انتخاب رئيس لها، فإنها تفقد الشرعية الأخلاقية والقانونية لسن القوانين للمجتمع. العودة إلى صوت الشعب ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة دستورية لإنقاذ النظام من الانهيار التام.
*رئیس معهد الإصلاح الجنائي كوردستان-العراق
٢٦ نيسان ٢٠٢٦
الهوامش والمصادر القانونية:
١. الدستور العراقي (٢٠٠٥): المادة ٦٤ (إجراءات حل البرلمان وتشكيل الحكومة).
٢. قانون رئاسة الإقليم (رقم ١ لسنة ٢٠٠٥): المادتان ١٠ و١٢ (الصلاحيات الاستثنائية للرئيس وواجب حماية القانون).
٣. النظام الداخلي لبرلمان كوردستان: المواد ١٠، ١١، ١٢ (مهام رئيس السن وآلية انتخاب هيئة الرئاسة).
٤. مبدأ “نظرية الضرورة” في القانون الدستوري: كمصدر لإضفاء الشرعية على القرارات الاستثنائية عند تعطل المؤسسات.
٥. قانون انتخابات البرلمان (١٩٩٢): كمصدر لشرعية نيل “الوكالة الشعبية”.