مهداة إلى شهداء القصف الوحشي العراقي في قلعة دزة بتاريخ” 24/4/1974
زقزقة العصافير الملونة وحس البراءة المرهف. كان يوحي للصغيرة “زهري” أن تفتح الأبواب للقادمين.
حيث بدأت همسات أليفة تخترق الممرات المشجرة بجمال سماوي خلاب. وتطرق قلبها قبل أذنيها، بدأ قلبها ينجذب لتلك الهمسات الناعمة.
قبل أن ترفع أطراف ثوبها الفضفاض عن العشب الزاهي، سمعت طرقاً على باب جناحها ما أن فتحت الباب، حتى صاروا قبالتها وجها لوجه، بثيابهم المدرسية النظيفة التي لونتها الدماء.
– أهلا يا إخوتي الصغار. أهلا بكم ادخلوا بسلام.
كما كانوا يدخلون صفوفهم بانتظام كل يوم. دخلوا الجناح الفسيح الزاهي بالعشب والأشجار التي لم يكونوا قد رأوها في الحياة الأولى. صوت العصافير والبلابل والقبج كان يردد لحناً موحدا.
– أهلاً بكم في جنة الخلد..
تمعنت “لمياء” النظر في عيني “زهری” الوديعتين، كعينيها وبلهفة تسبقها ابتسامة حب سألتها:
– لقد رأيتك قبل اليوم، لكن لا أعرف متى وأين؟ أكنت تلك الصغيرة العازفة على العود، ضمن الفرقة المدرسية الكردية التي قدمت أغنية ” هفال هفالوشكى” على الشاشة الصغيرة في نوروز هذا العام؟؟
ابتسمت زهری، وداعبت خصلات شعرها الطويل المنسدل على كتفيها بدلال، والذي يكسب وجهها سحراً أخّاذاً، أجابت بهدوء تام:
– لا يا أختاه، لا، أنا لم أظهر على شاشة تلفزيون بلادي أبداً، لكنك رأيت صورتي الممزقة تنقلها الأقمار الصناعية إلى معظم دول العالم حين سقطت القنابل الثقيلة، التي تولد النار والدمار في الصخر والجبل والإنسان، حينها كانت الأقمار الصناعية تتفنن في نقل صورتي وأنا أتلقى قنبلة، وأتشظى إلى أشلاء متناثرة، أحترق وأغدو رماداً. كنت مثلكم أذهب إلى المدرسة وأضع كتبي في حقيبتي المدرسية، وأحافظ على رسوماتي وأقلامي، كنت سعيدة، سعيدة وأنا انشد “أي رهقيب” في المدرسة وسعيدة حينما تقبلني معلمتي وأمي وأبي.. حدث لنا هذا قبل سنين، حينها لم تكوني في الوجود، أو لم تكونوا قد رأيتم المدرسة، أو كنتم تلعبون بفرح في حدائقكم.. حينما احترقت، كانت أياد خفية بيضاء تتلقفني وترفعني إلى السماء، كنت الشاهدة على الدمار الذي أصاب زملائي الصغار.. منذ ذلك اليوم وأنا هنا في هذا اللجناح من الجنة، و يناديني الآخرون هنا بالشهيدة زهری.
أرادت الصغيرة “هند” ذات التسع سنين أن تتكلم، أن تعرّف عن نفسها ورفاقها الآخرين بـ “زهری” لكنها لم تدع لها تلك الفرصة، وكانها قرأت ما يجول في قلبها وقالت لهم:
-أنا أعرفكم جميعاً، وأعرف أنكم شهداء مثلي وكنت شاهدة على الدمار والخراب الذي أصاب مدرستكم، والخوف الذي في قلوب الناس البسطاء، وأعرف أن آباءكم وأمهاتكم لن يرتاحوا لزمن طويل. ستكونون في قلوبهم، وحدقات عيونهم، ولكن حينما تزورونهم، سيرتاحون ويذهب حزنهم عندما يرون الألق في عيونكم والفرح في وجوهكم..
قاطعتها سوسن ذات الضفيرة الصفراء بفرح:
-هل سأزور ماما وأقبلها مثل كل يوم؟
-نعم يا أختاه نعم.
-أتزورين أنت أهلك؟
-أجل أزورهم بين حين وآخر وأجلب لي من هناك باقة نرجس كل مرة.
مسح “باسم” بقايا دموع في عينيه وقال ل زهری:
– أين كنت تسكنين قبل مجيئك إلى هنا؟
فرح مفاجئ قبل وجنتيها وعينيها:
– خلف الجبال، قرب الأنهار والينابيع الطبيعية، كنت أسكن في “قلعة دزة”..
صوت خافت غريب مجهول الاتجاه قطع حوارهم:
-زهري خذيهم إلى النهر ليغتسلوا ثم وزّعي عليهم ثيابهم الجديدة. هيا يا صغيرة. هيا يا زهری.
-سمعاً وطاعة.
بخشوع وأدب جم أجابت زهری..
وأخذت تقود فصيل الشهداء إلى النهر والابتسامة لا تفارق وجوههم الطافحة بالسعادة..
(من المجموعه القصصيه خبز محلى بالسكر -منشورات دار آبيك -ستوكهولم 1994 بالحروف اللاتينيه )