الكورد جذور التاريخ وشركاء الوطن: حقيقة لا تقبل الإنكار

عرفان الداوودي

في خضمّ الجدل الذي يتكرر بين حينٍ وآخر حول هوية العراق وتاريخه، تبرز الحاجة إلى قراءةٍ هادئة ومنصفة لتاريخ أحد أعرق شعوبه: الكورد، بعيداً عن التزييف أو الإقصاء، وبالاستناد إلى ما قاله مؤرخون ومفكرون وشخصيات دولية عبر التاريخ.

إن الحديث عن الكورد ليس حديثاً عن جماعةٍ طارئة، بل عن شعبٍ تعود جذوره إلى أعماق التاريخ القديم في مناطق بلاد ما بين النهرين وسلاسل جبال زاغروس. وقد أشار عدد من المؤرخين إلى صلات الكورد بالشعوب القديمة مثل الميديين، الذين أسسوا واحدة من أقدم الإمبراطوريات في المنطقة قبل الميلاد.

المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي يُعد “أبو التاريخ”، تحدث عن شعوب الجبال في تلك المناطق، فيما ربط كثير من الباحثين المعاصرين هذه الشعوب بأسلاف الكورد. كما أشار المؤرخ الإسلامي المسعودي إلى الكورد بوصفهم أمة قائمة بذاتها، لها لغتها وعاداتها وأرضها.

وفي العصور الوسطى، برز اسم القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي الذي لم يكن مجرد شخصية عسكرية، بل رمزاً حضارياً وسياسياً، أسس دولة امتدت من مصر إلى بلاد الشام، وترك أثراً عالمياً في التاريخ الإسلامي والإنساني، حتى أن خصومه قبل أصدقائه أشادوا بفروسيته وعدالته.

أما في العصر الحديث، فقد أكد مفكرون وصحفيون عراقيون على عمق هذا الوجود التاريخي. إذ يرى حسن العلوي أن الكورد جزء أصيل من هذه الأرض منذ آلاف السنين، وأن وجودهم يسبق بكثير التكوينات السياسية الحديثة. وهذا الطرح لا يأتي من منطلق عاطفي، بل من قراءة تاريخية تدعمها شواهد متعددة.

ومن جانب آخر، يطرح الباحث والكاتب غيث التميمي تساؤلاً جوهرياً: متى كان الكورد غرباء؟ وهو سؤال يكشف زيف بعض الخطابات التي تحاول تصويرهم كعنصر دخيل، في حين أنهم كانوا شركاء حقيقيين في بناء الدولة العراقية الحديثة، خاصة بعد ثورة العشرين، حيث شارك الكورد مع العرب وبقية المكونات في مواجهة الاحتلال وصياغة ملامح الدولة.

ولم تقتصر هذه الشهادات على الداخل العراقي، بل إن شخصيات دولية أشارت إلى خصوصية الشعب الكوردي. فقد وصف الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان الكورد بأنهم “شعب شجاع يستحق العيش بحرية وكرامة”، في سياق دعمه لحقوقهم. كما تحدث عدد من الباحثين الغربيين عن الكورد بوصفهم من أقدم شعوب المنطقة التي حافظت على هويتها رغم التحولات السياسية الكبيرة.

إن استمرارية الكورد عبر آلاف السنين، رغم كل ما مرّوا به من تحديات، هي بحد ذاتها دليل على عمق جذورهم التاريخية وقوة هويتهم الثقافية. فهم لم يكونوا مجرد متلقين للأحداث، بل صانعين لها، ومشاركين في بناء الحضارات، من العصور القديمة وحتى الدولة الحديثة.

إن محاولة إنكار هذا التاريخ أو التقليل من شأنه ليست مجرد خطأ معرفي، بل هي إشكالية سياسية وأخلاقية، لأنها تقوم على إقصاء مكوّن أصيل من مكونات العراق. فالعراق، كما يؤكد التاريخ، لم يكن يوماً أحادياً، بل هو وطنٌ للتعدد، وقوته في تنوعه.

الكورد ليسوا فقط جزءاً من العراق، بل هم أحد أعمدته الأساسية، ولا يمكن تصور استقرار حقيقي دون الاعتراف الكامل بحقوقهم وهويتهم. إن احترام هذا التاريخ ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لبناء مستقبل قائم على الشراكة والتوازن والتفاهم.

وفي الختام، فإن الأمم التي تحترم تاريخها وتقرّ بتنوعها هي وحدها القادرة على بناء دول مستقرة. أما إنكار الحقائق، فلن ينتج إلا أزماتٍ متجددة. ومن هنا، فإن الاعتراف بتاريخ الكورد ودورهم هو خطوة أساسية نحو عراقٍ يتسع للجميع، بلا تهميش ولا إقصاء الكورد جذور التاريخ وشركاء الوطن: حقيقة لا تقبل الإنكار.

قد يعجبك ايضا