سمير السوره ميري
حين يتحول الكلام إلى غاية بحد ذاته، وتتراجع قيمة الصمت والتأمل، ويغدو الرد مرهونا بالسرعة على حساب الجودة، وبالكم لا بالعمق، يفقد الإنسان جزءا من حضوره الثقافي، ويتحول صوته إلى ضجيج يتجلجل قاتل للحوار البنَّاء. ليست الثرثرة سلوكا اِجتماعيا سطحيا فحسب، بل ظاهرة اِجتماعية سلبية، يقع الوعي الجمعي في شباكها، منكفا على الفراغ الذهني، مبتعدا عن واقعه الإنساني، ومائلا إلى الهروب نحو أوهام تعاش بدلا من حقائق تواجه.
في فلسفة الوجود، يرى مارتن هايدغر إن “القول اليومي”، وهو ذلك الكلام المتداول الذي يفقد أصالته، حين يكرر الناس ما يقال دون تفكير أو تجربة ذاتية، أو تفكير حقيقي، فتغدو الثرثرة شكلا من أشكال الهروب من مواجهة الذات، ويصبح الإنسان مجرد صدى لصوت عام بلا ملامح.
أما لودفيغ فيتغنشتاين فيرى أن اللغة هي حدود العالم، غير أنها حين تنحدر إلى الثرثرة، فإنها لا تعود توسّع العالم، بل تفرغه من معناه، ومن زاوية نقدية، ربط غي ديبور الثرثرة بثقافة الاِستهلاك، حيث تتحول الحياة إلى عرض دائم في “مجتمع الاِستعراض”، ويصبح كل شيء قابلا للتداول، حتى الكلام نفسه لم يعد يُقاس بعمقه، بل بسرعته إنتشاره.
الثرثرة ليست مجرد فائض من الكلام، بل هي عرضٌ لخلل في بنية الوعي ذاته، وتعثرٌ في الإدراك، حيث يستبدل عمق الفكرة بسطحية التكرار، هو عقل مأزوم فيبدد طاقته في الكلام، وهكذا تغدو الثرثرة داءً خفيا، كلما اِتسعت ضاق الفكر، إنَّ العقل السليم يميل إلى الاقتصاد في الكلام، الثرثرة فراغا يتنكر في هيئة كلام.
تكمن خطورة الثرثرة لا في كثرتها، بل في قدرتها الإقناع الزائف، وهو ما استغلّته الإيدولوجيات القومية والإثنية الحزبية، وكذلك بعض القراءات الماركسية، لتضليل الوعي الجمعي عبر شعارات رنانة تدغدغ العاطفة، وقد أثبتت الوقائع التاريخية صعوبة تحقيق تلك الشعارات على أرض الواقع، إذ تحولت كثير من الخطابات السياسية إلى ضجيج لفظي، فقد ارتبطت تجارب مثل تجربة جمال عبد الناصر بشعارته القومية، وشعارات البعث، الوحدة والحرية والإشتراكية في العراق وسوريا، غير أن الأفعال كثيرا ماخالفت الأقوال، فانقلبت الأفكار والشعارات إلى ثرثرة، قادت إلى أزمات ومحن ماتزال آثارها قائمة، وشعوبها تدفع الثمن.
وفي هذا السياق يقدم كارل ماركس معيارا حاسما: قيمة الفكرة لا تقاس بجمالها النظري، بل بقدرتها على تفسير الواقع وتغييره، غير أن التطبيق التاريخي لبعض الشعارات الماركسية كشف فجوة بين النظرية والممارسة، وكذلك الحال في الأيديولجيات الأحزاب الدينية حين تُختزل في شعارات، إذ يكمن الخلل في كل تلك الشعارات، هو غياب العدالة في التطبيق، لا في المبدأ ذاته، فتتحول كل تلك الشعارات إلى ثرثرة لا تصمد أمام اختبار الزمن.
إنَّ الثرثرة آفة الثقافة، فالثقافة في جوهرها فعلُ بناء للفكر، بينما الثرثرة نزعة اِستهلاكية تُفرغه من مضمونه، وقد أشار فريدريك نيتشة إلى هذا المعنى، حين انتقد “عقلية القطيع”، حيث تذوب الفردية في ضجيج الجماعة، ويتوقف الفرد عن التفكير الحر، مكتفيا بتكرار ما يقوله الآخرون، فتتحول الأفكار من إبداع فردي إلى تقليد جماعي، ويفقد الفكر اِستقلاله.