الذكاء و النجاح …..والفجوة بينهما

كتابة و اعداد / دلزار اسماعيل رسول

أحيان كثيرة يراود المرء التساؤل التالي… ما اسباب عدم نجاحي في الحياة رغم تفوقي على أقراني في الذكاء ، فتراهم قد تقدموا عليك بأشواط و انت تراوح في مكانك، رغم بذلك مجهودا كبيرا في مجال اختصاصك و عملك، و قضاء معظم وقتك في العمل ، حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي…

إذا أمعنا النظر في الاسباب و العوامل ، نرى أننا قد أغضنا الطرف عن نقاط كثيرة وكان يجب أخذها بنظر الاعتبار و المؤاخذة و الاهتمام…

إن الشعور بالفجوة بين الذكاء المرتفع وبين الإنجاز الملموس على أرض الواقع هو تحدٍ واجه الكثير من العباقرة والمبدعين عبر التاريخ. الذكاء وحده هو مجرد “إمكانات خام”، وتحويلها إلى نجاح يتطلب أدوات مختلفة تماماً.

بعض الأسباب النفسية والعملية التي قد تفسر هذا التباين:

1. فخ “الذكاء الكافي”

غالباً ما يعتمد الأذكياء في بدايات حياتهم (خاصة في الدراسة) على سرعة بديهتهم لتجاوز العقبات دون بذل مجهود كبير. هذا يمنعهم من تطوير “عضلة الانضباط”. بينما يضطر الأقل ذكاءً للعمل بجد لسد الفجوة، فيتعلمون الصبر والمثابرة، وهي الصفات التي تحسم النجاح في المدى الطويل أكثر من معامل الذكاء

ولكن اذا سألنا أنفسنا ما هي عضلة الانضباط ….

عضلة الانضباط” هي استعارة نفسية تشبّه الإرادة والقوة الذهنية بعضلات الجسم؛ فهي تضعف إذا أُهملت، وتقوى وتنمو بالممارسة والتدريب المستمر.

في علم النفس، يُشار إليها أحياناً بـ “قوة الإرادة كعضلة” ، وهي تشرح لماذا يجد الأذكياء أحياناً صعوبة في الاستمرار مقارنة بغيرهم.

أهم خصائص هذه “العضلة”:

أ_. القابلية للإرهاق

مثلما تتعب عضلاتك بعد تمرين شاق، فإن قدرتك على ضبط نفسك واستنزاف طاقتك في اتخاذ قرارات صعبة تضعف بمرور ساعات اليوم. لذلك، يميل الناجحون إلى أداء المهام التي تتطلب تركيزاً وانضباطاً عالياً في الصباح الباكر قبل أن “تنهك” هذه العضلة.

ب_. النمو عبر “المقاومة”

لا تنمو العضلة إلا إذا واجهت ثقلاً يتحدى قدرتها الحالية. كذلك الانضباط؛ ينمو عندما تجبر نفسك على القيام بفعله رغم عدم رغبتك (مثل الاستمرار في الكتابة رغم “قفلة الكاتب”، أو الالتزام بنظام غذائي أو رياضي رغم الإغراءات).

ج_. الانضباط الذاتي يغني عن “الدافع”

الذكاء قد يمنحك “الشرارة” أو الفكرة، لكن الانضباط هو الذي يضمن الاستمرارية. الفرق الجوهري هو:

* الشغف/الدافع: شعور مؤقت يأتي ويذهب.

* عضلة الانضباط: هي التي تجعلك تعمل عندما يختفي الشغف.

د_. تعميم الأثر

من ميزات تدريب هذه العضلة أنك إذا انضبطت في جانب واحد من حياتك (كالالتزام بساعة رياضة يومية أو الاستيقاظ الباكر)، فإن هذه القوة تنتقل تلقائياً لخدمتك في جوانب أخرى، مثل العمل أو الإبداع الأدبي.

كيف تبدأ بتمرين هذه العضلة؟

* البدء بأوزان خفيفة: لا تحاول تغيير حياتك جذرياً في يوم واحد. ابدأ بالتزام صغير جداً (مثلاً: كتابة صفحة واحدة يومياً، أو المشي لمدة 15 دقيقة) والثبات عليه.

* تقليل المشتتات: لا تستهلك طاقة “العضلة” في مقاومة المغريات؛ بل أبعد المغريات عن طريقك لتوفر طاقتك للعمل الحقيقي.

* الروتين: الروتين هو “المثبت” لعضلة الانضباط؛ لأنه يحول القرارات الصعبة إلى عادات تلقائية لا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبيراً.

يجب أن تجعل روتينك اليومي الحالي يساعدك على تقوية هذه العضلة، لأن كثرة الأفكار والاهتمامات تؤدي لإنهاكها سريعاً.

2. المثالية المفرطة

الأذكياء يدركون تماماً شكل “النتيجة المثالية”، وهذا الإدراك قد يصبح عائقاً. الخوف من تقديم عمل أقل من التوقعات العالية التي وضعوها لأنفسهم قد يؤدي إلى التسويف أو حتى عدم البدء بالمشاريع من الأساس.

3. تشتت الشغف

العقل الذكي يرى الروابط بين الأشياء والفرص في كل مكان. هذا قد يؤدي إلى تشتت الجهود بين عدة اهتمامات بدلاً من التركيز في مسار واحد حتى الوصول لنهايته. وكما يقال: “من يطارد أرنبين في وقت واحد، لا يمسك بأي منهما”.

4. ضعف المهارات الاجتماعية

النجاح في الحياة، وخاصة في البيئات المؤسسية، يعتمد بنسبة كبيرة على الذكاء العاطفي، القدرة على التفاوض، وبناء العلاقات. أحياناً يعتقد الأذكياء أن “المنطق” وحده يكفي لإقناع الآخرين، ويتجاهلون الجوانب النفسية والاجتماعية التي تحرك العالم.

5. الظروف الخارجية والجمود الإداري

في بعض الأحيان، لا يكون الخلل في الشخص نفسه، بل في البيئة المحيطة التي قد لا توفر المساحة الكافية للإبداع، أو التي تضع عراقيل بيروقراطية تحد من انطلاق أصحاب الكفاءات، مما يولد شعوراً بالإحباط أو “التجميد” الوظيفي.

كيف يمكن تحويل هذا الذكاء إلى نجاح؟

* التركيز على “الانضباط” لا “الشغف”: اجعل العمل روتيناً يومياً لا ينتظر “الإلهام”.

* قبول مبدأ “العمل الجيد بما يكفي”: ابدأ ونفذ، ثم حسن لاحقاً. التنفيذ الناقص خير من التخطيط الكامل المهمل.

* الاستثمار في الكتابة والتدوين: للأذكياء عوالم داخلية غنية؛ تدوين الأفكار أو تحويلها إلى نصوص أدبية أو مشاريع عملية يخرجها من حيز التفكير إلى حيز الوجود.

الذكاء هو المحرك، لكن الاستمرار والعمل هما الوقود والطريق. ، أن التشتت هو العائق الأكبر أمامك، أضافة الى عوامل خارجية تعيق هذا الانطلاق.

قد يعجبك ايضا