نبيل عبد الأمير الربيعي
في سياق الحديث عن الذاكرة العراقية الجمعية، يبرز اسم الباحث كمال يلدو بوصفه واحداً من الأصوات التي كرّست جهدها لحماية هذه الذاكرة من محاولات الطمس والتغييب. فالمسألة، كما يطرحها، لا تتعلق بتوثيق الماضي فحسب، بل بصون الهوية الثقافية والوطنية من التشويه الذي طالها عبر عقود من الاستبداد والاضطراب.
ينطلق هذا المشروع من وعي عميق بأن الأمم لا تُنى بالقوة وحدها، بل بذاكرتها الحية، وباستعادة رموزها الفكرية والثقافية التي شكلت ملامحها الحضارية. ومن هنا، يسعى يلدو إلى إعادة الاعتبار لشخصيات إبداعية وثقافية جرى تهميشها عمداً، خشية تأثيرها في تشكيل وعي جمعي مستنير. إن هذا الجهد يتجاوز حدود التوثيق إلى كونه فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية، يهدف إلى وصل الحاضر بجذوره، ومنع انقطاع السردية الوطنية.

لقد تعرض العراق، عبر مراحله السياسية المختلفة، إلى سياسات ممنهجة استهدفت العقول المبدعة، ليس فقط عبر القمع المباشر، بل من خلال إضعاف شروط الإبداع نفسها. فالمفكرون والعلماء والفنانون وجدوا أنفسهم بين مطرقة التضييق وسندان النفي، حتى تحول المنفى إلى ملاذ قسري لعدد كبير منهم. وبهذا، لم يستهدف الأفراد فحسب، بل استُهدف الوعي الحر بوصفه قيمة حضارية.
وفي مقابل هذا التغييب، يعمل مشروع يلدو على لملمة شتات الذاكرة العراقية المضيئة، تلك التي تمتد جذورها في عمق التاريخ، من حضارات سومر وبابل وآشور، وصولا إلى بغداد بوصفها مركزاً للعلم والأدب والفن. إنها ذاكرة تؤكد أن العراق لم يكن يوماً أرض خراب، بل فضاء خصباً للإبداع الإنساني.
غير أن التحدي لم يتوقف عند حدود الماضي؛ إذ شهدت مراحل لاحقة أشكالاً مختلفة من تقييد الإبداع، بين انغلاق يقصي الفن الحر، وانفلات سطحي يفرغ الثقافة من مضمونها. وبين هذين الحدّين، تراجع حضور العقل النقدي، وغاب كثير من المبدعين الذين كانوا يشكلون ضمير المجتمع.
من هنا، تكتسب رسالة يلدو أهميتها بوصفها دعوة إلى استعادة التوازن، عبر إعادة الاعتبار للثقافة الجادة، وكشف الأسباب العميقة لتغييب المبدعين، والتنبيه إلى أن الذاكرة العراقية ما تزال غنية بطاقات خلاقة قادرة على النهوض. فالإبداع لا يمكن أن يزدهر في بيئة تشيع التجهيل أو تكرس الفساد، بل يحتاج إلى فضاء من الحرية والرعاية والوعي.
إن استعادة الذاكرة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية؛ لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لإعادة إنتاج أزماتها. ومن هنا، فإن الجهود التي يبذلها كمال يلدو تمثّل مساهمة نبيلة في إنقاذ الذاكرة العراقية من النسيان، وإعادة رسم صورة العراق الحقيقي: وطن للعلم، والفكر، والفن، والإنسان.