قصة قصيرة / لِمَ الْعَجَلَةُ؟

 

1. الهمس
جلس صديقان في مقهى قديم. كان أحدهما قد تجاوز الخامسة والخمسين، ويمتلك روح دعابة وفكاهة نادرتين.
اقترب منه صديقه، همس في أذنه:
— بعد أقل من شهر… ستُساق إلى الخدمة الإلزامية!
الرجل المسن لم يغضب. التفت إليه بابتسامة ساخرة:
— هذه الأخبار صارت تافهة. لا تنفع مريضاً مثلي، ولا تجدي النقاهة. فقدت الوعود احترامها وصدقها ونزاهتها.
— أنا لا أمزح! ألا تتابع قناة “الديمقراطية”؟ هناك ندوة مع الدكتور… المسؤول الإعلامي المعروف. يتحدث عن الأجانب والانتخابات، ويبشر بنهاية قريبة.
ابتسم الرجل المسن:
— إذن… اسمع قصتي.

2. حكاية الخراط
“قديماً، كان الناس يسافرون إلى ماردين للتسوق. لم تكن هناك أسواق في القرى. كانت ماردين برية واسعة، يجتمع فيها الأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون. لذلك سُموا ‘بازاريين’ – مدنيين.

ذات يوم، توجه قروي إلى ماردين ليشتري حاجياته، ثم عرج على محل نجارة – كانوا يسمونه ‘خراط’ – ليطلب سريراً خشبياً لطفله المولود حديثاً.

طلب الخراط منه خمسة قروش ثمناً للعمل، وقال: ‘سيكون جاهزاً في أقرب فرصة – إن شاء الله – عند زيارتك القادمة’.

مرت الزيارات. تتابعت. والسرير لم ينجز.

كبر الطفل. شب. تزوج. رزقه الله طفلاً. طلبت منه زوجته سريراً. تذكر سريره القديم، وأن الخمسة قروش لا تزال في عهدة الخراط.
ذهب إليه. وجده قد كساه الزمان حلة بيضاء. سلم عليه، وعرفه بنفسه:
— أنا ابن فلان. أوصاني والدي المتوفى بهذا السرير. كنت طفلاً حينها. والآن كبرت، وتزوجت، ورزقت بطفل. جئتك للوفاء بالوعد.
نظر إليه الخراط ملياً. ثم أخرج من جيبه خمسة قروش قديمة. رمى بها في وجه الزبون، وصاح:
— مالكم أيها القرويون تستعجلون على السرير؟! ألا تعلمون أن عمل سرير كهذا يستغرق وقتاً طويلاً؟
ثم استشاط غضباً:
— خذ مالك، واغرب عن وجهي!

خرج الزبون فاغراً فاه، مندهشاً. سأل نفسه: ‘هل كنت حقاً مستعجلاً… طيلة ثلاثين عاماً؟'”

3. العبرة
التفت الرجل المسن إلى صديقه، وقال بنبرة حزينة ساخرة:

— وهذا أنا يا صاحبي. أنفقت من العمر خمساً وخمسين عاماً. أورثت أولادي وأحفادي معضلة لا تزال تنتظر الحل. كلما سمعنا وعوداً جديدة، ومقابلات، وإشاعات… تذكّرت حكاية الخراط.

أشعل سيجارته، ثم أضاف:
— الموت أسرع من سرير الخراط. لكننا… لا نزال ننتظر.

انتهت

قد يعجبك ايضا